فنتبك جيت: محمد بدوي
نشرت جروب-آي بي، الشركة الرائدة في مجال ابتكار تقنيات الأمن السيبراني للتحقيق في الجرائم الرقمية ومنعها ومكافحتها. أول ورقة بحثية لها بعنوان: “الذكاء الاصطناعي المسلّح: نظرة داخل المنظومة الإجرامية التي تغذي الموجة الخامسة من الجريمة السيبرانية”؛ كشفت من خلالها عن الدور الجوهري للذكاء الاصطناعي في تحويل المنظومة الإجرامية وتغذية الموجة الخامسة من الجرائم الرقمية.
وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، تطورت الجريمة السيبرانية عبر موجات متتالية؛ بدأت بالتصيد الاحتيالي اليدوي في أواخر التسعينيات، وصولاً إلى برامج الفدية الصناعية، ثم هجمات سلاسل التوريد والمنظومات التي شاعت في أوائل العشرينيات. وقد رصدت جروب-آي بي زيادة بنسبة 371% منذ عام 2019 في المنشورات المتداولة في منتديات الشبكة المظلمة التي تتضمن كلمات مفتاحية متعلقة بالذكاء الاصطناعي، وزيادة في الردود بلغت عشرة أضعاف (1199%). والآن، يقوم المهاجمون باستغلال الذكاء الاصطناعي على مستوى صناعي، محولين مهارات كانت تتطلب متخصصين، مثل الإقناع وانتحال الشخصية وتطوير البرمجيات الخبيثة، إلى خدمات “حسب الطلب” متاحة لكل من يملك بطاقة ائتمان.
الموجة الخامسة من الجريمة السيبرانية
كشفت عمليات الاختراق والاستطلاع التي أجرتها جروب-آي بي لمنتديات الشبكة المظلمة والأسواق السرية أن أنشطة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي هيمنت على النقاشات في عام 2025، بواقع 23,621 منشوراً أولياً و298,231 رداً. وقد بلغ الاهتمام ذروته في عام 2023 عقب إتاحة منصة “ChatGPT” للجمهور في أواخر العام 2022، حيث تجاوز عدد الردود على المنشورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي 300,000 رد، وهو ما تزامن مع إطلاق نموذج “GPT-4” وتصاعد المخاوف التنظيمية والمجتمعية.
وبخلاف الموجات السابقة، اتسم تبني المهاجمين للذكاء الاصطناعي بسرعته المذهلة، حيث أصبح الآن جزءاً أصيلاً من البنية التحتية الأساسية للمنظومة الإجرامية، وليس مجرد وسيلة استغلال عارضة.
برمجيات إجرامية بتكلفة اشتراك شهرية زهيدة
وتشير تحقيقات جروب-آي بي إلى أن فئات محددة من البائعين يقومون بتسويق وتغليف البرمجيات الإجرامية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتوجيهها للمشترين ذوي المهارات المنخفضة، ما يجعل الهجمات المعقدة في متناول المبتدئين. ويحاكي هؤلاء البائعون جوانب مشروعة من أعمال البرمجيات كخدمة، من حيث مستويات التسعير ونماذج الاشتراك ودعم خدمة العملاء.
وتنقسم هذه البرمجيات الإجرامية القائمة على الذكاء الاصطناعي عادةً إلى ثلاث فئات رئيسية: استغلال النماذج اللغوية الضخمة. وأتمتة هجمات التصيد الاحتيالي والهندسة الاجتماعية، والبرمجيات الخبيثة والأدوات التقنية. وتتميز هذه العروض المتاحة على “الشبكة المظلمة” بأسعارها الزهيدة، وغالباً ما يتم تقديمها في حزم متكاملة لزيادة جاذبيتها للمشترين المحتملين.
أنظمة التشغيل الخاصة بالجرائم السيبرانية الحديثة
النماذج اللغوية المظلمة (Dark LLMs): انتقل المهاجمون من مرحلة إساءة استخدام روبوتات الدردشة العادية إلى إنشاء نماذج لغوية مظلمة خاصة بهم. تتسم بقدرات أكبر واستقرار تقني، ودون أي قيود أخلاقية. وحددت جروب-آي بي ثلاثة بائعين نشطين على الأقل يقدمون هذه النماذج باشتراكات تتراوح بين 30 إلى 200 دولار شهرياً، مع قاعدة مستخدمين تتخطى 1,000 مستخدم.
خدمات وتعليمات كسر الحماية (Jailbreak): تتيح هذه الأدوات للنماذج اللغوية الكبيرة المشروعة إنتاج محتوى محظور أو غير آمن أو ضار ، وذلك عبر استخدام قوالب أو تعليمات قابلة لإعادة الاستخدام مصممة لتجاوز ضوابط الأمان. ووجدت جروب-آي بي أنه بحلول نهاية الربع الثالث من 2025، عادل حجم هذه المنشورات إجمالي ما تم رصده في عام 2024 بالكامل، مع تركيز المهاجمين بشكل أساسي على نماذج “ChatGPT” و”OpenAI”.
التزييف العميق كخدمة: كشفت عمليات المراقبة التي أجرتها جروب-آي بي عن وجود سوقٍ مزدهرٍ لـ “أطقم الهوية الاصطناعية” التي توفر ممثلي فيديو بالذكاء الاصطناعي وأصواتاً مستنسخة، وحتى بيانات بيومترية مقابل 5 دولارات فقط. وقد رصد محللو الشركة أكثر من 300 منشور على الشبكة المظلمة في الفترة من عام 2022 وحتى سبتمبر 2025 تشير صراحة إلى “التزييف العميق” و”إجراءات التعرف على العميل”، مع تسجيل زيادة بنسبة 52% في عدد أسماء المستخدمين الفريدة المنخرطة في هذه الأنشطة. ويقوم المهاجمون حالياً بجمع عينات صوتية لا تتجاوز مدتها 10 ثوانٍ فقط. يتم الحصول عليها من وسائل التواصل الاجتماعي، أو الندوات عبر الإنترنت. أو حتى تسجيلات المكالمات الهاتفية السابقة، لإنشاء نسخ صوتية مستنسخة بالغة الإقناع.
خبراء دوليون: الذكاء الاصطناعي حوّل الجريمة السيبرانية إلى صناعة
وفي هذا السياق، قال كريغ جونز، المدير السابق لمكافحة الجرائم السيبرانية في “الإنتربول” والمستشار الاستراتيجي المستقل: “لقد استطاع الذكاء الاصطناعي تحويل الجريمة السيبرانية إلى صناعة ضخمة. فما كان يتطلب سابقاً مشغلين متخصصين ذوي مهارة عالية ووقتاً طويلاً، أصبح الآن متاحاً للشراء والأتمتة والانتشار على مستوى عالمي. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي لم يخلق دوافع إجرامية جديدة. إذ لا يزال السعي وراء المال. وفرض النفوذ، والوصول إلى البيانات هي المحركات الأساسية لهذه المنظومة. إلا أنه أدى إلى طفرة هائلة في السرعة والنطاق ومستوى التعقيد الذي تُنفذ به تلك المخططات. ويمثل هذا التحول فجراً لحقبة جديدة. حيث أحدثت السرعة وحجم العمليات وانتحال الشخصية المتطور تغييراً جذرياً في كيفية ارتكاب الجريمة، وزادت من صعوبة ردعها وإيقافها”.
كيف يحشد المدافعون صفوفهم ضد الذكاء الاصطناعي المسلّح
يُعد الذكاء الاصطناعي المسلّح تحدياً عالمياً لا تستطيع أي منظمة أو جهة رقابية بمفردها مواجهته بمعزل عن الآخرين. فخلافاً للبرمجيات الخبيثة التقليدية. تترك الهجمات المعززة بالذكاء الاصطناعي أثراً جنائياً ضئيلاً. ما يجعل اكتشافها وتحديد هوية منفذيها أمراً بالغ الصعوبة. وبالنسبة للمدافعين، يتطلب هذا المشهد تكيفاً عاجلاً.
وتؤكد أبحاث مجموعة جروب-آي بي على ضرورة توفر استراتيجيات أمنية قائمة على المعلومات الاستخباراتية. تضع سلوك الخصم في صميم الاهتمام. وذلك عبر الجمع بين الاستخبارات الاستباقية للتهديدات، ومنع الاحتيال، والرؤية العميقة والكاملة للمنظومات الناشطة في الشبكة المظلمة. وسيكون التعاون العابر للحدود بين القطاع الخاص. وأجهزة إنفاذ القانون، والجهات الرقابية أمراً ضرورياً للتصدي لهذا التهديد المتطور.
من جانبه، قال ديمتري فولكوف. الرئيس التنفيذي لشركة جروب-آي بي: “من واقع وجودنا في الخطوط الأمامية لمواجهة الجرائم السيبرانية. نلمس كيف منح الذكاء الاصطناعي المجرمين قدرات وصول غير مسبوقة. ومكنهم من توسيع نطاق عمليات الاحتيال بسهولة فائقة، بل وبمستويات متقدمة من التخصيص والهندسة الاجتماعية. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالمستقبل القريب سيشهد تنفيذ هجمات بواسطة أنظمة ذكاء اصطناعي مستقلة تماماً. وهي مهام كانت تتطلب سابقاً خبرات بشرية متخصصة. وإن استيعاب هذا التحول الجذري يمثل ركيزة أساسية لردع الجيل القادم من التهديدات. وضمان تفوق المدافعين على المهاجمين عبر الانتقال نحو استراتيجيات أمنية تقودها المعلومات الاستخباراتية. استراتيجيات تدمج بين تقنيات الكشف المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ومنع الاحتيال. والقدرة على رؤية المنظومات الإجرامية الفاعلة في الشبكة المظلمة”.
روابط ذات صلة:
«جروب-آي بي» تطلق منصة لاستخبارات الاحتيال السيبراني لتعزيز المنظومات المالية والرقمية في الإمارات
«جروب-آي بي» السنغافورية تطلق منصة متقدمة لاستخبارات الاحتيال السيبراني






