«أميت دوا»، رئيس «صن تك» لحلول الأعمال يكتب: كيف ينبغي على شركات الإمارات الاستعداد للفوترة الإلكترونية؟
بقلم: أميت دوا رئيس شركة «صن تك» لحلول الأعمال
غالباً ما يُوصَف تطبيق الفوترة الإلكترونية الإلزامية في دولة الإمارات العربية المتحدة على أنه مجرد تغيير في متطلبات الامتثال الضريبي مقرر لعام 2026. غير أن هذا الوصف يقلّل كثيراً من حجم التحول الحقيقي. ففي اقتصاد تجاوزت فيه التجارة غير النفطية حاجز 3 تريليونات درهم ولا تزال تنمو بمعدلات مزدوجة الرقم، لا يتعلق الانتقال إلى الفوترة الإلكترونية بالامتثال فحسب، بل بإعادة هندسة كيفية تدفّق المال والبيانات والثقة عبر المنظومة الاقتصادية بأكملها. نعم، هو تفويض تنظيمي، لكنه في الوقت نفسه اختبار جدي لمدى التزام مجالس الإدارات بالانضباط التشغيلي والتنفيذ الرقمي الفعّال.
لم يعد إطار الفوترة الإلكترونية في الإمارات مجرد شائعة أو مسودة أولية. فقد أكدت وزارة المالية والهيئة الاتحادية للضرائب أن نظاماً وطنياً للفوترة الإلكترونية سيطبق على مراحل. يبدأ بمرحلة تجريبية في يوليو 2026، تليها مرحلة الإلزام التدريجي وفق حجم ونوع المكلّفين. وسيعمل النظام عبر شبكة Open Peppol وفق نموذج “الزوايا الخمس”. حيث يتوسط مزوّدو خدمات معتمدون بين الشركات والهيئة الاتحادية للضرائب. لتدقيق الفواتير والتحقق منها ونقل البيانات المهيكلة في شبه وقت حقيقي.
وقد ذهبت الإعلانات الأخيرة أبعد من ذلك، مؤكدة فرض غرامات تصل إلى 5,000 درهم على حالات عدم الامتثال عند دخول القواعد حيّز التنفيذ.
بالنسبة للرؤساء التنفيذيين، لم يعد السؤال هو هل سيأتي هذا الإلزام. بل ما الذي يجب القيام به الآن لضمان جاهزية الأعمال عند وصوله.
إصلاح البنية التحتية قبل حلول الموعد النهائي
يتمثل التحدي الأكثر إلحاحاً في الجانب التقني. فالشركات الكبيرة والمتوسطة في الإمارات تعمل عادة عبر عدة أنظمة تخطيط موارد مؤسسية (ERP). ومحركات فوترة مخصصة، ومنصات متخصصة حسب القطاع. وقد صممت كثير من هذه الأنظمة في زمن كانت فيه الفاتورة مجرد ملف PDF مرفق برسالة بريد إلكتروني. لا حزمة بيانات مهيكلة يجب أن تجتاز اختبارات مطابقة المخططات (Schema Validation) والفحوصات الأمنية قبل قبولها كفاتورة ضريبية.
على مجالس الإدارات الإصرار على إعداد خريطة صادقة وقاسية للواقع الحالي. وهذا يعني معرفة عدد الأنظمة التي تصدر الفواتير. وعدد الصيغ المستخدمة، وأين لا يزال التدخل اليدوي مطلوباً، وكيف تتدفق البيانات بين إدارة الطلبات. والفوترة، والضرائب، والمالية. ففي إحدى المجموعات الإقليمية الكبرى، كشف تقييم أولي قبل بدء المشروع عن وجود أكثر من اثني عشر قالب فاتورة متداولاً. مع فروقات طفيفة بينها كانت كفيلة بالتسبب في رفض منهجي للفواتير ضمن نظام فوترة إلكترونية إلزامي.
وبعد رسم هذه الخريطة، تصبح المهمة العاجلة هي التوحيد. تحتاج الشركات إلى نقطة مركزية واحدة وموثوقة تنشأ منها الفواتير وتُرسل إلى طبقة مزودي الخدمات المعتمدين. ولا يعني ذلك بالضرورة استبدال جميع أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية، لكنه يعني الاستثمار في التكامل، وتنقية البيانات المرجعية، ووضع تسلسل هرمي واضح للأنظمة. يوفّر نموذج الزوايا الخمس القائم على Peppol مرونة في تصميم الحل، لكنه لا يعفي الشركات من اتخاذ قرارات صعبة بشأن أي الأنظمة سيكون «مصدر الحقيقة»، وأيها سيكتفي باستهلاك البيانات المعتمدة.
أما التوقيت، فهو لا يرحم. فمزوّدو الخدمات المعتمدون أنفسهم مطالبون بالامتثال لمعايير صارمة للأمن والأداء، بما في ذلك الحصول على شهادة ISO/IEC 27001. والقدرة على مواكبة التحديثات المستمرة في المواصفات التقنية وإرشادات الهيئة الاتحادية للضرائب. إن تأجيل اختيار المزوّد وبدء إجراءات الربط إلى اللحظات الأخيرة خطأ يمكن تفاديه بسهولة.
تأهيل المؤسسة… لا النظام فقط
لن تحمل التكنولوجيا هذا التحول وحدها. فالفوترة الإلكترونية تمس أقسام المالية والضرائب والمبيعات والمشتريات والعمليات، وحتى خدمة العملاء. يجب إعادة تصميم القوالب، ودمج قواعد التحقق في مسارات العمل، وتحديد آليات التعامل مع الاستثناءات، وتوضيح مسارات التصعيد.
وغالباً ما تظهر فجوات القدرات في وقت متأخر. ففي الأسواق التي سبقت في هذا المسار. تبين أن كثيراً من أكثر المشكلات استنزافاً للوقت لم تكن أعطالاً تقنية، بل سوء فهم بشري: فرق مبيعات تعد بصيغ فواتير لا يستطيع النظام إنتاجها، أو فرق مالية تتجاوز الضوابط لاستيعاب صفقات «عاجلة». أو مراكز خدمات مشتركة تعود إلى جداول Excel عند مواجهة حالات غير مألوفة.
لذلك، يجب أن يشمل الإعداد تدريباً منظماً وتمارين محاكاة. ليس مطلوباً من الموظفين أن يصبحوا خبراء تقنيين في الضرائب. لكن من الضروري أن يفهموا بوضوح ما هي الفاتورة الإلكترونية، وما الذي يمكن تعديله وما لا يمكن. وكيفية التصرف عند فشل معاملة في اجتياز التحقق. إن تنفيذ تجارب تشغيل موازية. حيث تعمل وحدات أعمال كاملة بالفوترة الإلكترونية إلى جانب النظام الحالي، كفيل بكشف عيوب التصميم قبل أن يفرض القانون الانتقال الكامل.
ويظل التوافق القيادي عنصراً حاسماً. فعندما يتعامل المدير المالي مع الفوترة الإلكترونية كمشروع تقني بحت، تصل رسالة لبقية المؤسسة مفادها أنه ملف قابل للتفويض والتأجيل. أما عندما يتبنى كل من الرئيس التنفيذي والمدير المالي ومدير تقنية المعلومات البرنامج معاً. ويطالبون بتقارير تقدم منتظمة، فإنه يتحول إلى مبادرة تحول مؤسسي لا مجرد استجابة تنظيمية.
تأمين محيط البيانات الجديد
الفوترة الإلكترونية هي أيضاً قصة أمن معلومات. فكل فاتورة تحمل بيانات حساسة تتعلق بالتسعير، والأطراف المتعاملة، وشروط الدفع، والمواقف الضريبية. وفي ظل النظام الجديد، ستنتقل هذه البيانات بوتيرة أعلى، وعبر أنظمة أكثر، وقنوات جديدة. ومن دون ضوابط مناسبة، يشكّل ذلك هدفاً مغرياً للاحتيال ومصدر خطر على السمعة.
حاولت السلطات الإماراتية استباق ذلك بفرض معايير صارمة لأمن المعلومات على مزودي الخدمات المعتمدين. وبتضمين متطلبات مسارات التدقيق والتوقيعات الرقمية ضمن المواصفات التقنية. وهذا يخفف المخاطر على مستوى الشبكة، لكنه لا يلغي نقاط الضعف داخل المؤسسات نفسها.
على مجالس الإدارات طرح أسئلة بسيطة لكنها مباشرة: من يملك صلاحية تعديل رموز الضرائب أو بيانات العملاء الأساسية؟ كيف تُدار صلاحيات الأنظمة للموظفين والمتعاقدين الخارجيين؟ ما خطة الاستجابة للحوادث في حال اعتراض الفواتير أو التلاعب بها أو تأخيرها؟ وما مدى سرعة اكتشاف أنماط غير اعتيادية، مثل تكرار رفض الفواتير لعميل بعينه أو الارتفاع المفاجئ في إصدار إشعارات الدائن؟
التشفير، وضوابط الوصول، وسجلات التدقيق ليست سوى جزء من الحل. أما الجزء الآخر فيكمن في الثقافة والحوكمة: ترسيخ مبدأ عدم التساهل مع الالتفاف على الضوابط، والتأكيد على أن سلامة بيانات الفواتير ركيزة غير قابلة للتفاوض في «رخصة التشغيل» المؤسسية.
مواكبة هدف متحرك
حتى بعد بدء التطبيق، لن يظل دليل الفوترة الإلكترونية ثابتاً. فقد أشارت الهيئة الاتحادية للضرائب بالفعل إلى أن المواصفات التقنية. ومعايير البيانات، وبروتوكولات الامتثال ستتطور بمرور الوقت مع نضوج النظام واندماجه مع بقية منظومة الضرائب والجمارك.
وتُظهر التجارب الدولية أنه ما إن يُرسى نظام ضريبي رقمي، حتى تتوسع السلطات سريعاً في نطاقه. ففي أميركا اللاتينية، بدأت أنظمة الفوترة الإلكترونية بالتركيز على ضريبة القيمة المضافة، ثم امتدت إلى كشوف الرواتب الإلكترونية. ومستندات النقل، ومتطلبات خاصة بقطاعات معينة. وفي أوروبا، تتجه الإلزامات من معاملات الحكومة مع الشركات إلى المعاملات بين الشركات، بل وأحياناً إلى تغطية شبه شاملة.
وفي الإمارات، يرجح مسار مشابه. فقد يتركز الاهتمام الأولي على معاملات بين الشركات و معاملات الحكومة مع الشركات. لكن الإطار قد يتوسع لاحقاً ليشمل أنواعاً أخرى من المستندات، ويدمج بشكل أعمق مع تقارير الجمارك والضرائب الانتقائية وضريبة الشركات. لذا، تحتاج الشركات إلى منصات وشركاء قادرين على مواكبة التغيير، لا حلول نقطية هشة لا تتجاوز الإصدار الأول من القواعد.
تعالج بعض الشركات ذلك بتأسيس فرق داخلية صغيرة مختصة بـ«تقنية وسياسات الضرائب»، تتولى متابعة التحديثات التنظيمية. وإدارة العلاقة مع المزوّدين المعتمدين، وإرشاد وحدات الأعمال إلى التعديلات المطلوبة. بينما تعتمد شركات أخرى على مستشارين خارجيين ذوي انتشار عالمي لترجمة الاتجاهات الناشئة إلى أثر عملي على العمليات والأنظمة. وفي كلتا الحالتين، فالعمل مستمر لا موسمي.
التعلم من روّاد التطبيق الأوائل
أقوى مبرر للاستعداد المبكر ليس نظرياً، بل مدعوم بالوقائع. ففي الأسواق التي سبقت في التطبيق، يتكرر النمط نفسه: الشركات التي بدأت مبكراً، واستثمرت في إعادة تصميم العمليات، وتعاملت مع الفوترة الإلكترونية كبرنامج استراتيجي. شهدت انطلاقاً أكثر سلاسة، ونزاعات أقل، وعمليات تدقيق أنظف. أما تلك التي تعاملت معها كتحديث تقني في اللحظة الأخيرة، فقد واجهت عاماً أو أكثر من المعالجات الطارئة.
وتشير دراسات أميركا اللاتينية إلى أن الفوترة الإلكترونية، إلى جانب رفع الإيرادات المعلنة وتحسين التحصيل الضريبي. ترتبط أيضاً برؤية داخلية أفضل وتكاليف إدارية أقل للشركات نفسها. وفي السعودية، استطاعت الشركات التي تبنت النموذج ثنائي المراحل الاستفادة من تدفقات البيانات الأكثر ثراءً لتحسين استراتيجيات التسعير. وتشديد إدارة الذمم المدينة، وتقليص مدة الإقفال المالي.
أما في الإمارات، فتكمن فرصة أكبر، لأن الفوترة الإلكترونية تأتي في وقت يتسارع فيه نمو القطاع الخاص غير النفطي، وتدفع فيه الحكومة أجندة رقمية وتجارية متقدمة. وفي مثل هذا السياق، لا تمثل القدرة على رؤية البيانات المعاملاتية وتحليلها والثقة بها في شبه وقت حقيقي ميزة امتثال فحسب، بل ميزة تنافسية حقيقية.
من عبء امتثال إلى أصل استراتيجي
قد لا تتصدر الفوترة الإلكترونية الإلزامية عناوين الصحف كما تفعل اتفاقيات التجارة الحرة أو أرقام التجارة غير النفطية القياسية. لكنها وبطرق هادئة وغير لامعة ستعيد تشكيل كيفية إصدار الفواتير، وتحصيل المدفوعات، وإعداد التقارير، والاقتراض. والتخطيط داخل الشركات الإماراتية. فالتي تتعامل معها كالتزام ضريبي ثقيل ستنفق جهدها على تحقيق الحد الأدنى. أما التي تنظر إليها كبنية تحتية لأعمال أكثر انضباطاً وغنى بالبيانات، فستخرج بدورات نقدية أسرع، وتسرب أقل، ورؤية أعمق لعملياتها.
لقد بدأ العدّ التنازلي ليوليو 2026 بالفعل. والسؤال المطروح هو: هل ستستغل مجالس الإدارات الوقت المتبقي لتجنب الغرامات فحسب. أم لبناء ميزة مستدامة تدوم طويلاً بعد أن تتلاشى الضجة الإعلامية حول الإلزام؟
في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع والتي يمكنك متابعتها:






