«مي حجازي تكتب» عن خارطة طريق التحول الرقمي في القطاع المصرفي في 2026

البقاء في المنافسة أو الخروج من السوق في عصر الحوسبة فائقة الأداء والحوسبة الكمية

في أروقة البنوك الكبرى في نيويورك، لندن، ودبي، لم يعد الحديث في 2026 يدور حول أسعار الفائدة، بل حول تأثير الحوسبة فائقة الأداء (High-Performance Computing) والحوسبة الكمية (Quantum Computing) على مستقبل الأصول المصرفية، والحديث الحقيقي الذي يقلق الرؤساء التنفيذيين هو..هل ستظل أصولنا مرئية ومحمية عندما تشتعل أول شاشة حاسوب كمي تجاري؟

1. “الإفلاس التقني”: حين يصبح تشفيرك بلا قيمة

بالنسبة لرؤساء مجلس الإدارة، التشفير ليس معادلة رياضية، بل هو “صك ملكية”. إذا استطاع حاسوب كمي كسر التشفير الحالي، فهذا يعني أن البنك لم يعد يملك دليلاً قانونياً أو تقنياً على أن هذه الأموال تخص هؤلاء العملاء.
في 2026، الخطر هو “الإفلاس التقني المباشر”؛ حيث تفقد الأصول قيمتها ليس بسبب خسارة مادية، بل بسبب فقدان القدرة على إثبات ملكيتها وحمايتها.

2. استراتيجية “الحصاد الآن، الفك لاحقاً” (HNDL)

المشكلة التي يواجهها قادة البنوك اليوم ليست في المستقبل فقط، بل في الماضي. المنافسون والجهات الجيوسياسية يقومون حالياً بعمليات “حصاد” ضخمة للبيانات البنكية المشفرة.
• المنطق التجاري: “سرقنا بياناتكم اليوم، وسنفتح الصندوق عندما نمتلك المفتاح الكمي في 2027 أو 2028”.
بالنسبة لرؤساء مجلس الإدارة، هذا يعني أن الأسرار التجارية والتحويلات الكبرى التي تتم اليوم هي بالفعل مكشوفة للمستقبل، مما يهدد سمعة البنك على المدى الطويل.

3. “المرونة التشفيرية” كأصل استراتيجي (Crypto-Agility)

في السابق، كان تغيير نظام التشفير في البنك يستغرق 10 سنوات. في 2026، هذا البطء هو “انتحار تجاري”.
القادة الناجحون اليوم لا يسألون “هل نحن محميون؟” بل يسألون:

ما هي السرعة التي يمكننا بها تبديل دروعنا إذا انكسر الدرع الحالي؟”

البنوك التي لا تملك “مرونة تشفيرية” ستجد نفسها عاجزة عن الامتثال للمعايير التنظيمية الجديدة (مثل معايير NIST المحدثة)، مما سيؤدي إلى خروجها من نظام “سويفت” أو أنظمة المقاصة الدولية.
* عقلية الأمن السيبراني التقليدي كانت تركز على منع الاختراقات اليومية باستخدام تشفير ثابت وتحديثات دورية، وتتعامل مع الأمن كمسؤولية تقنية وتكلفة تشغيلية هدفها حماية الحاضر فقط.
* عقلية الأمن السيبراني 2026 (ما بعد الكم) تتعامل مع الأمن كأصل استراتيجي لحماية قيمة الأصول الرقمية على المدى الطويل، في مواجهة تهديدات دول وأنظمة متقدمة، وتعتمد على تشفير مرن قابل للتغيير السريع، وحوكمة على مستوى الإدارة العليا، بهدف حماية الحاضر والمستقبل معًا.

الخلاصة التنفيذية

إن خطر الحوسبة الكمية في 2026 ليس مشكلة “تقنية” ليحلها قسم تكنولوجيا المعلومات؛ إنه خطر وجودي على نموذج العمل (Business Model).
البنوك التي لا تستثمر الآن في “التشفير ما بعد الكم” (Post-Quantum Cryptography – PQC) لا تخاطر ببياناتها فحسب، بل تخاطر بترخيصها للعمل في عالم لن يعترف بالأنظمة الضعيفة.
الأمان المصرفي الرقمي في 2026 ليس “جداراً”، بل هو “قدرة على التحول” قبل أن يدركك الزمن.
ما سبق لا يعني أن البنوك “في خطر غدًا صباحًا”، لكنه يعني أن النافذة الزمنية للتحرك بدأت بالفعل.
المطلوب في 2026 ليس استبدال كل الأنظمة، بل اتخاذ قرارات قيادية واضحة:
•التحول الرقمي المصرفي لم يعد مشروع تكنولوجيا المعلومات ، بل أداة لحماية استمرارية الكيان المالي.
•التشفير لم يعد تفصيلة تقنية، بل عنصر حاكم في تقييم المخاطر، والملاءة، واستدامة الأعمال.
•الجاهزية لما بعد الكم يجب أن تُدار على مستوى مجلس الإدارة، تمامًا مثل مخاطر السيولة والائتمان.

البنوك التي تبدأ اليوم في:

•تقييم أصولها الرقمية الحساسة زمنيًا
•بناء أنظمة قابلة للتحديث التشفيري دون تعطيل
•دمج الجاهزية الكمية في الحوكمة المؤسسية
لن تكون فقط “أكثر أمانًا”، بل أكثر قابلية للاستمرار، وأكثر قبولًا تنظيمياً، وأكثر ثقة في أعين الأسواق
في عام 2026، لم يعد التحول الرقمي المصرفي مسألة كفاءة تشغيلية أو تجربة عميل، بل أصبح شرطًا أساسيًا لبقاء الكيان المالي نفسه.
تطور الحوسبة فائقة الأداء والحوسبة الكمية يعيد تعريف مفهوم المخاطر المصرفية، حيث لم يعد الخطر الأكبر هو الاختراق، بل فقدان القدرة على إثبات ملكية الأصول الرقمية وحمايتها قانونيًا وتقنيًا

 

بقلم/ مي حجازي
خبيرة التحول الرقمي المصرفي والاقتصاد الرقمي


في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع والتي يمكنك متابعتها: