فنتيك جيت – منار أسامة
شهدت منظومة الشركات الناشئة في أفريقيا تحولاً ملحوظًا في خريطة التمويل. بعدما ارتفعت مساهمة المستثمرين المحليين إلى نحو 40% من إجمالي التمويلات الموجهة للشركات الناشئة. مقارنة بـ 25% فقط قبل عامين، في وقت يواصل فيه المستثمرون الدوليون تقليص استثماراتهم في القارة.
ارتفاع مساهمة المستثمرين المحليين وتراجع التمويل الأجنبي وصمود رأس المال الأفريقي
وأظهرت بيانات حديثة أن المستثمرين الأفارقة باتوا مصدرًا متزايد الأهمية لرأس المال. ما ساعد في التخفيف من آثار التراجع الحاد في التمويل الأجنبي، الذي انخفض من قرابة 5 مليارات دولار في 2022 إلى نحو 2.3 مليار دولار لاحقًا. وفي المقابل. حافظ المستثمرون المحليون على مستويات شبه مستقرة من الاستثمار، ما عزز قدرتهم على سد جزء من الفجوة التمويلية.
وخلال عام 2022، ضخ المستثمرون الأفارقة نحو 1.6 مليار دولار في الشركات الناشئة إلى جانب الاستثمارات العالمية، قبل أن يتغير المشهد بشكل واضح مع الانسحاب الجزئي لرؤوس الأموال الأجنبية. وأسهم هذا التحول في بناء قاعدة استثمارية محلية أكثر مرونة ونضجًا، تعكس فهماً أعمق لاحتياجات الأسواق والفرص داخل القارة.
ويُقصد بالمستثمر المحلي الجهات الاستثمارية التي يقع مقرها الرئيسي داخل أفريقيا، سواء كانت صناديق رأس مال مخاطر أو مستثمرين أفراد. ويلعب مديرو الصناديق المحليون دورًا محوريًا في توجيه التمويل نحو منتجات وخدمات قابلة للنمو التجاري، مستفيدين من قربهم الجغرافي ومعرفتهم الدقيقة بالسياق الاقتصادي والاجتماعي.
دعم التوسع وبناء شركات يونيكورن
وساعد هذا الحضور المحلي في دعم عدد من الشركات الناشئة على التوسع، بما في ذلك شركات استطاعت الوصول إلى مكانة «يونيكورن» بفضل مزيج من التمويل والدعم الاستراتيجي من صناديق أفريقية، ما مكنها من الانتقال من حلول موجهة للأعمال إلى أسواق المستهلكين على نطاق أوسع. ويرى مستثمرون أن تحقيق توازن بين المستثمرين المحليين والدوليين يمثل عاملًا حاسمًا لصحة المنظومة، إذ يمنح المؤسسين تمويلاً مصحوبًا بإرشاد عملي يتناسب مع خصوصية كل سوق — وهو عنصر غالبًا ما يصعب توفيره من خارج القارة.
ويعود صعود مديري الصناديق المحليين جزئيًا إلى دعم مؤسسات التمويل التنموي الدولية وبرامج استثمارية ركزت على تمكين رأس المال الأفريقي، إضافة إلى زيادة مشاركة المستثمرين الأفراد وأصحاب الثروات الكبيرة، الذين أصبحوا يضخون أموالهم مباشرة في الصناديق والشركات الناشئة المحلية، حاملين معهم شبكات علاقات وخبرات تشغيلية مؤثرة.
أداء التمويل خلال عام 2025
وعلى مستوى القارة، جمعت الشركات الناشئة الأفريقية نحو 3.6 مليارات دولار خلال عام 2025، بزيادة قدرها 25% على أساس سنوي عبر 635 صفقة معلنة. ورغم ارتفاع عدد الصفقات بنسبة 43%، فإن متوسط أحجام الجولات التمويلية ظل أقل من المستويات السابقة، ما يعكس عودة حذرة لشهية المستثمرين.
ولا يزال التمويل متركزًا جغرافيًا، حيث استحوذت نيجيريا وكينيا ومصر وجنوب أفريقيا على ما بين 80% و85% من إجمالي التمويلات، مستفيدة من وجود شركات في مراحل متقدمة قادرة على استيعاب جولات كبيرة. في المقابل. سجلت أسواق أصغر — خاصة في أفريقيا الناطقة بالفرنسية — نموًا في عدد الصفقات، لكنها ظلت محدودة من حيث القيمة، مع جولات تقل غالبًا عن 5 ملايين دولار.
وأظهرت البيانات أن صفقات المراحل المبكرة تهيمن من حيث العدد. في حين لم يتعافَ تمويل مراحل النمو المتقدمة إلى مستويات ما قبل 2022. ولم تمثل الصفقات الضخمة سوى 1% من إجمالي العمليات، لكنها استحوذت على نحو ربع القيمة الإجمالية للتمويل. ما يعكس تركّزًا كبيرًا في عدد محدود من الشركات.
ونتيجة لذلك، تواجه العديد من الشركات الناشئة صعوبة في تأمين جولات متابعة بعد التمويل الأولي. ما يدفعها إلى اللجوء إلى أدوات بديلة مثل الديون أو الهياكل التمويلية المختلطة لإطالة عمرها التشغيلي.
أما على صعيد التخارجات، فقد شهد عام 2025 تحسنًا محدودًا مع تسجيل أكثر من 60 عملية استحواذ في قطاعات متعددة. أبرزها التكنولوجيا المالية والبرمجيات والخدمات اللوجستية والطاقة. ومع ذلك. لا تزال الاكتتابات العامة والصفقات العابرة للحدود نادرة، ما يحد من إعادة تدوير رأس المال على نطاق واسع داخل المنظومة.
ويشير هذا المشهد إلى أن تنامي دور المستثمرين المحليين أصبح عاملًا رئيسيًا في استقرار وتمكين بيئة الشركات الناشئة الأفريقية. لكنه في الوقت ذاته يسلّط الضوء على الحاجة إلى تعزيز مسارات التخارج وتمويل مراحل النمو لضمان استدامة الزخم خلال السنوات المقبلة.
روابط ذات صلة:
«هبة سيد» تتولى منصب المدير الاقليمي للتسويق والاتصال بالشرق الأوسط وأفريقيا والهند بشركة «Exabeam»





