«أشرف صبري» الرئيس التنفيذي لـ «فوري» يكتب: أزمة الدين الحكومى..وحلول الهندسة المالية ودور الجهاز المصرفي في الوصول إلى «نقطة التعادل»
كيف تسدد الحكومة ديونها دون استدانة
بقلم: أشرف موسى صبري
أحسب أنه لايوجد خلافا بين جميع المهتميين بالشأن العام أن الاقتصاد المصرى يواجه مشكلة فى حجم الدين الحكومى تكمن فى قدرة الفائض الأولى فى الموازنة على سداد فوائد الدين الحكومى بما قد يؤدى إلى زيادة الدين بطريقة مضطردة..بما يزيد من أعباؤه على الموازنة مستقبلا ويحد من قدرتها على التنمية الاقتصادية وما قد يصاحب ذلك من آثار تضخمية..كما يحد من قدرة الجهاز المصرفى على المساهمة بصورة أكثر فاعلية فى إقراض المشروعات وبالتالى دوره أيضا فى التنمية الاقتصادية ..
ولعلنا نتذكر هنا المقولة الشهيرة للدكتور محمد معيط وزير المالية السابق فى أحد حواراته عندما قال أن الحل الوحيد للوفاء بالتزامات الحكومة هو مزيد من الاقتراض.
الاقتراض والضغوط التضخمية وسعر الصرف
ومما لاشك فيه أن مزيدا من الاقتراض أو خلق نقودا رقمية لا يؤدى إلا لضغوط تضخمية يصاحبها ضغوطا على سعر الصرف ولدينا فى ذلك تجارب متعددة ..
وأول مايتبادر إلى الذهن هو زيادة الإيرادات وترشيد النفقات وآليات السيطرة على التضخم وبالتالى الفائدة المستحقة على الموازنة. بما يمكن الحكومة من سداد الفوائد المستحقة دون زيادة فى الدين.
نقطة التعادل
غير أن التحدى الحقيقى هو متى وكيف سنصل الى “نقطة التعادل” التى يصبح عندها الفائض الاولى كافيا لتغطية أعباء الفوائد ..
ولعل هذا مادفع البعض إلى البحث عن حل جذرى للانتهاء من المشكلة وجوهر هذا الحل هو تدخل البنك المركزى كطرف مباشر لحل أزمة الدين. ليس بشراء الدين الحكومى أو ضخ سيولة نقدية كماحدث فى أزمات ماليه عالمية سابقة ولكن بمقايضة الدين بأصول حكومية.
هذا الطرح يثير تساؤلات جوهريه حول مصير أصول البنوك المستثمرة فى أدوات الدين الحكومى. هل تتحول هذه الأصول إلى سيوله داخل الجهاز المصرفى. أم سيقوم البنك المركزى بسداد الفوائد للبنوك من عوائد ادارة الاصول.
وإذا كانت عوائد هذه الأصول – وهذه هى الحقيقة فى غالب الأمر – لن تخلق عوائد لتمويل فوائد الديون خاصة وأن أغلب الديون قصيرة المدى. فهل سنصدر نقودا إلكترونية لسداد الفوائد مدركيين الآثار التضخمية لذلك مما يعرقل خفض الفوائد ويعود بنا الى ذات الدائرة المغلقة.
أرباح الجهاز المصرفي وأدوات الدين
وأحسب أيضا أننا بعيداً عن النقاش الدائر حول حجم أرباح الجهاز المصرفى لابد أيضا أن ندرك أن الدين الحكومى يؤثر على السيولة المتوفرة لدى القطاع المصرفى لتمويل المشروعات . فالاستثمار فى أدوات الدين الحكومى هو استثمار امن .. بل أيضا إن الإستثمارات قصيرة الأجل فى هذا الدين هى أكثر أمانا. كما يجذب البنوك إلى الإستثمار فى أدوات الدين والأرقام خير دليل على ذلك فاستثمارات الجهاز المصرفى فى الأصول الحكومية بلغت نحو 11.5 تريليون جنيه بنسبة نحو 48% من إجمالى أصول الجهاز المصرفى.
بالطبع سينعكس هذا على إيراداته وأرباحه. كما يجب أن ندرك أيضا أن حجم الاستثمار الأجنبى فى أذون الخزانه ارتفع مؤخرا انعكاساً لمزيد من الثقة فى الإقتصاد المصرى. إلا أننا يجب أن ندرك أيضا أنها أموال ساخنة إن خرجت فلابد للبنوك أن تحل محلها فى أذون الخزانة..
كما يجب أيضا أن ندرس خيارات التعاون بين الحكومة والقطاع المصرفى لتعظيم العائد على الخزانة العامة دون المساس باستقلالية المنظومة المصرفية.
فرغم تطبيق منظومة حساب الخزانة الموحد إلا أن حجم الودائع الحكومية لدى الجهاز المصرفى بنهاية يونيو 2025. بلغ نحو 3 تريليونات جنية بما يعادل نحو 20% من إجمالى الودائع.
وفى إطار منظومات الدفع السريع والتوسع فى المتحصلات الإلكترونية يمكن نظريا تصور خفض الدين بهذا المبلغ إلا أن ذلك يستحيل عمليا.كما إلا أننى أتصور نقاشا مستمرا بين البنك المركزى – بصفته بنك الحكومة – ووزارة المالية حول أفضل السبل لإدارة علاقة المالية بالجهاز المصرفى. ليحقق أعلى عائد ممكن للخزانة العامة دون الاضرار بسيولة الجهاز المصرفى وقدرته على دعم النشاط الاقتصادى ..
كيف تسدد الحكومة ديونها دون استدانة والدور الممكن للهندسة المالية
والآن وقبل أن نتطرق إلى حلول الهندسة المالية لخفض عبء الدين الحكومي على الموازنة دعنا ندرك التحديات التى قد تؤثر على طول الرحلة وصولا إلى “نقطة التعادل”. التى تمكن الحكومة من سداد فوائد الدين دون مزيدا من الاقتراض والسردية الوطنية للتنمية الاقتصاديه تطرقت إلى ذلك تفصيلا كمنظومة متكاملة للتنمية والاصلاح الكلى وشملت :-
1- نحن بصدد موازنات تنمية وإن كان هذا لايمنع من ترشيد النفقات ولكن زيادة الإنفاق على التعليم والصحه والبنية التكنولوحية ضروره لزيادة الإنتاجية. وهى الآلية الوحيدة لزيادة حقيقية فى الناتج القومى وكبح جماح التضخم.
2- إنه فى ظل التضخم فى السنوات الماضية زادت نسبة الفقر وعليه فبرامج الحماية الاجتماعية ضرورة ومن واجبات الحكومة. وهو مايمثل عبئا على المصروفات وضرورة للاستقرار الاجتماعى.
3- إن معدلات الادخار اللازمة للنمو تواجه تحديات منها قدرة الإقتصاد على توليد مدخرات جديده بالنحو الكافى. كما أن تراكم مدخرات القطاع العائلى هو المصدر الرئيسى للتمويل لدى الجهاز المصرفى وعليه فجذب الإستثمارات الأجنبية. و تعظيم قدرة الإقتصاد على توليد مدخرات ضرورة للاستثمارات المستقبلية.
4- الإنتقال من إقتصاد الأزمة والتى تدخلت فيه الحكومة بعنف حفاظا على معدلات التشغيل ولبناء بنية تحتية كانت ضرورية للتنمية. إلى عودة القطاع الخاص لدورة الطبيعى فى الإستثمار والمساهمة الفعالة فى التنمية الاقتصادية.
5- تحصيين الإقتصاد ضد الأزمات السياسية وأزمات التجاره العالمية وماقد ينتج عن النظام العالمى الجديد. حيث أن ايرادتنا من العملة الصعبة حاليا تتأثر بشكل كبير بالعوامل الخارجية وعليه فسياسات التوطين والتصدير السلعى والحد من العجز التجارى هى حماية أساسية لنا.
كما من تلك التقلبات وضمانا لقدرة الإقتصاد على امتصاص الأزمات و احتواء التضخم المرتبط طرديا بسعر الجنيه. ولعل الاحتياطي من العملة الاجنبية والذى نحج البنك المركزى فى تكوينه يساعدنا فى التعامل مع الأزمات. ولكنه بمدلول إسمه هو احتياطى داعم واللاعب الاساسى هو المعالجات الهيكلية السابقة التى تمثل الركيزه الأساسية للاستقرار الاقتصادى.
6- التضخم هو العدو الأول للموازنة لأنه دون خفض الفوائد فإنها تبتلع أية زيادة فى الإيرادات. وأننا يجب أن نتقدم بالشكر للبنك المركزى على عدم تقبله لأية ضغوط لخفض مبكر للفوائد وقد كانت الضغوط كثيرة. كما مكننا من السيطرة على التضخم ولعل التجربة التركية عندما استجاب البنك المركزى لخفض الفائدة بضغوط سياسية. ومن رجال الأعمال كانت نتيجتها انفلاتا فى معدلات التضخم مما أجبر البنك المركزى التركي على رفع الفائدةمن جديد بعد ذلك.
7- التوسع فى القاعدة الضريبية لزيادة نسبة الإيرادات إلى الناتج القومى.
حلول الهندسة المالية
ولعل ماسبق ليس جديدا ولكنه يوضح أن الرحلة وصولا إلى الهدف يلزمها تناغم وبرامج تنفيذية وقد تتعرض لأزمات ومطبات. وعليه فإن حلولا مكملة فى إطار الهندسة المالية تدعم قدرتنا فى التعامل مع الصدمات. كما تساعدنا فى اختصار زمن الرحلة وصولا إلى “نقطة التعادل ” كما سيمثل دعم الاصلاح الهيكلى للاقتصاد ومنها :-
1- مد أجال الدين الحكومى لأن جزء كبير منه قصير الأجل بالتعاون مع البنك المركزى والجهاز المصرفى ودراسة إصدار سندات طويله الأجل يكتتب فيها المواطنين مباشرة .
2- تعظيم عائد الودائع الحكومية لدى القطاع المصرفى لصالح الخزانة العامة أو خفضها للحد من تكلفة الدين على الحكومة. فمن المثير للتساؤل أن تستخدم فلوس الحكومة فى إقراض الحكومة.
3- تدخل محدود للبنك المركزى فى شراء جزءا من الدين المحلى مع إتخاذ الإجراءات الاحترازية لعدم تأثير ذلك على التضخم. ولذلك إجراءات متعارف عليها لدى الاقتصاديون ولأني أعلم أن لكل إقتصاد خصوصيته وان ما يطبق فى أحد الدول قد لايصلح فى دول أخرى.
كما أن التدخل المسئول للبنوك المركزية حدث فى العديد من الدول فى محاولة للتعامل مع أزمة الدين دون آثار تضخمية مثل الفيلبين و جنوب أفريقيا وكولومبيا واندونسيا وغيرها من الدول. وهذه دعوة لدراسة هذه التجارب لعل منها مايصلح للاقتصاد المصرى.
4- التنازل عن إيرادات مستقبلية فى مقابل سداد جزء من الدين أو مقايضة الديون بأصول حكومية. كما من خلال الحكومة وليس البنك المركزى. وهل الطرح فى البورصة لحصص أقلية يوفر السيولة المحلية ويضمن العوائد المستقبلية..
5- الإلتزام بعدم التوسع فى الاستدانة وجعل استثمار القطاع الخاص أولوية. ولذلك العديد من الآليات ولعل نموذج رأس الحكمة خير دليل على ذلك. فالحكومة شريكا فى الإيرادات المستقبلية والتمويل من الخارج والعوائد غير المباشرة من تشغيل وتنمية إقتصادية وايرادات بالعملة الصعبة.
لعلنى أصبت وربما أخطات ولكن يقينى أننى بذلت أقصى جهد فى حدود معرفتى وقدرتى على البحث و التحليل أملا أن أكون مساهما فعالا. كما فى حدود ما أستطيع فى تنمية بلدا أحببته وأحبه وأتمنى له دوما التقدم حتى ينعم أولادى وأحفادي بحياه كريمة.

بقلم أشرف موسى صبري
الرئيس التنفيذي لشركة فوري لتكنولوجيا البنوك والمدفوعات
في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع والتي يمكنك متابعتها:
- «أشرف صبري»: البورصة المصرية الأفضل أداءً بالأسواق الناشئة
- «أشرف صبري»: الطرح في البورصة ليس بيعًا للأصول بل أداة لتعزيز القيمة السوقية للشركات
- «أشرف صبري»: نحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة للدولة تُمكّن القطاع الخاص من النمو وتُحقق رقابة عادلة
- أشرف صبري: «فوري» تعزز قدراتها في «البيانات الضخمة» و «الذكاء الاصطناعي» لتعزيز الابتكار والكفاءة التشغيلية
- «أشرف صبري» أفضل رئيس تنفيذي في قطاع التكنولوجيا المالية.. «فوري» تحصد 4 جوائز مرموقة من مجلة «The European» لعام 2025





