«الرقابة المالية المصرية»: إتاحة التداول لشركات السمسرة خطوة محورية لتنشيط السوق الثانوي لأدوات الدين
فينتك جيت: ريهام علي و مصطفى عيد
قال الدكتور محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، إن إتاحة التداول لشركات السمسرة في السوق الثانوي لأدوات الدين تمثل خطوة محورية لتنشيط هذا السوق، وفتح المجال أمام قاعدة أوسع من المتعاملين، وتعزيز كفاءة التسعير وزيادة معدلات السيولة، وذلك في إطار حزمة إصلاحات تستهدف تطوير سوق المال وتعميق دوره التمويلي.
وقال محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية خلال مشاركته في القمة السنوية لأسواق المال تحت شعار التكنولوجيا المالية الطريق إلى الشمول الاستثماري، أن تعديلات قواعد القيد ليست بمعزل عن احتياجات الأسواق، ولا تأتي كقواعد نظرية منفصلة، بل تمثل انعكاسًا مباشرًا لما يتم رصده عمليًا داخل السوق، سواء فيما يتعلق بالحاجة إلى وضع ضوابط جديدة أو تعزيز الشق الرقابي في بعض الجوانب، مشددًا على أن الثقة في الشركات المقيدة تمثل حجر الأساس لجاذبية السوق ككل.
وأشار إلى أنه كلما ارتفعت مستويات الثقة في الشركات المقيدة، زادت جاذبية السوق بصفة عامة، أما إذا تراجعت هذه الثقة عن المستوى المرضي للجهات الرقابية أو لمؤسسة البورصة المصرية، فإن السوق يفقد قدرته على جذب الشركات ذات الجودة، وهو ما استدعى أن تتضمن تعديلات قواعد القيد شقًا رقابيًا واضحًا نابعًا من تجارب واقعية.
وأوضح رئيس الهيئة أن من بين هذه التجارب ما شهدته بعض الشركات من انتهاء دور القيادات التنفيذية الرئيسية دون وجود خطط واضحة للتعاقب الوظيفي، مؤكدًا أن وجود خطط تعاقب وظيفي (Succession Plans) أصبح أحد المتطلبات الأساسية، من خلال لجان منبثقة عن مجالس الإدارة ومعنية بالترشيحات، مع وجود قوائم جاهزة بالكفاءات القادرة على تولي المسؤولية، حتى لا تصبح الشركات عرضة لمخاطر إدارية مفاجئة.
بناء القدرات البشرية
وأكد فريد أن هذه الخطط تمنح المستثمرين قدرًا كبيرًا من الاطمئنان، وتعزز ثقتهم في استدامة الشركات التي يستثمرون فيها، مشيرًا إلى أن التدريب وبناء القدرات البشرية عنصر لا غنى عنه، ويجب أن تكون له خطة واضحة، تتابعها اللجان المختصة داخل مجالس الإدارة، لأن أي إصلاح أو نجاح لا يقوم على الاستثمار في العنصر البشري لا يمكن أن يكون مستدامًا.
وأضاف أن الاعتماد على فرد أو اثنين داخل الشركة قد يحقق طفرة مؤقتة، لكنه لا يصنع مسارًا مستدامًا للنمو، وهو ما دفع إلى إدراج متطلبات واضحة ضمن التعديلات الجديدة، تشمل الحوكمة، والتعاقب الوظيفي، والاستقلالية داخل مجالس الإدارة.
وأشار رئيس الهيئة إلى أن التعديلات لم تقتصر فقط على الضوابط، بل شملت أيضًا تبسيط عدد من الإجراءات التي رأت الهيئة، من خلال التواصل مع الأسواق، أنها بحاجة إلى تسهيل، خاصة فيما يتعلق بالتخارج من بعض الاستثمارات أو الاستحواذ على استثمارات أخرى طالما أن الشركات مقيدة في البورصة، موضحًا أن التفاصيل سيتم الإعلان عنها بعد نشر القرارات في الجريدة الرسمية.
وأوضح فريد أنه تم كذلك توحيد وتبسيط نسب الاحتفاظ بالمساهم الرئيسي وقت الطرح، بعدما كانت هناك نسب متعددة مثل 75% و51% و25%، وهي نسب لم تكن تُطبق فعليًا في كثير من الأحيان، ليتم استبدالها بنسب منطقية وقابلة للتطبيق، بما يحقق التوازن بين تمكين الشركات وحماية المستثمرين.
ضمان جودة الشركات
وأكد أن قواعد القيد أداة وليست هدفًا في حد ذاتها، وتهدف إلى ضمان جودة الشركات، وتمكينها من الطرح وزيادة رؤوس الأموال، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق المستثمر، موضحًا أن التمكين لا يعني التغاضي عن متطلبات الحوكمة أو حماية المستثمرين.
وتطرق رئيس الهيئة إلى تجربة نموذج SPAC المصري (VC SPAC)، موضحًا أنه تم تصميمه لتمكين الشركات التي لا تزال في طور النمو، لكنها تمتلك قدرات استحواذية، من تأسيس شركات رأس مال مخاطر بغرض الاستحواذ على حصص في شركات واعدة، بما يتيح للمستثمرين المشاركة في قصص نجاح لم تكن متاحة لهم سابقًا.
وأوضح أن وجود هذه الكيانات مقيدة في البورصة يمنح المستثمرين ميزة جوهرية تتمثل في حرية الدخول والخروج، وهو ما يعزز شهية الاستثمار. خاصة في ظل طبيعة التضخم وأسعار الفائدة، التي تجعل من الصعب على المستثمر غير التنفيذي أو الشريك المحدود (Limited Partner) الاحتفاظ باستثماراته لفترات طويلة كما هو الحال في صناديق الاستثمار المباشر أو رأس المال المخاطر.
وأشار فريد إلى أن تمكين المستثمر من التخارج في أي وقت يمنحه طمأنينة كبيرة، ويشجعه على زيادة مكونه الاستثماري. وهو ما يسهم تدريجيًا في زيادة عدد المستثمرين المؤسسيين، ومع تكرار التجربة، تتحسن الأوضاع بصورة ملموسة.
تطوير وتنظيم آليات التداول
وفي سياق متصل، أكد الدكتور محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن الهيئة عملت خلال الفترة الماضية على تطوير وتنظيم آليات التداول في السوق الثانوي لأدوات الدين الحكومية. بما يضمن فتح السوق أمام جميع المتعاملين، وتعزيز كفاءة التسعير، وزيادة معدلات السيولة.
وأوضح أن التعاملات في السابق كانت تعتمد على آليات مثل طلبات التسعير غير المعلنة للكافة (Request for Quotations). حيث يتم الاستعلام عن الأسعار من طرف أو متعامل رئيسي ثانٍ. في ظل غياب التفعيل الكامل للتداول المستمر. ومع دخول المتعاملين الرئيسيين (Primary Dealers) إلى السوق، ساد اعتقاد خاطئ بأن السوق الثانوي يقتصر عليهم فقط، في حين أن الواقع أن السوق الثانوي يضم المتعاملين الرئيسيين وغير الرئيسيين (Non-Primary Dealers).
وأضاف أن الهيئة العامة للرقابة المالية أصدرت تنظيمًا يسمح لشركات السمسرة بالدخول والتداول في السوق الثانوي. بما يتيح للمتعاملين غير الرئيسيين والمتعاملين الرئيسيين المشاركة بشكل طبيعي. مؤكدًا أن الخطوة الأولى كانت فتح السوق بحيث يتمكن جميع الأطراف من التواصل والتعامل مع بعضهم البعض داخل هذا السوق.
قواعد التداول الخاصة
وأشار إلى أن أذون وسندات الخزانة لم تكن متداولة على أي نظام مركزي في السابق، موضحًا أنه تم إدخال الأذون بالتزامن مع السندات على نظام التداول في أكتوبر 2023، سواء يوم 23 أو 24 من الشهر، وتم فتح التداول لكافة الفئات وليس فقط المتعاملين الرئيسيين، مع إتاحة تداول شركات الوساطة في السوق الثانوي، دون المساس بقصر السوق الأولي على المتعاملين الرئيسيين.
وأوضح رئيس الهيئة أن الخطوة الإضافية المطلوبة تمثلت في تفعيل التداول المستمر (Continuous Trading)، حيث إن شركات السمسرة، ومديري الاستثمار، وصناديق الاستثمار في أدوات الدخل الثابت، بما في ذلك صناديق أسواق النقد (Money Market Funds) وصناديق الدخل الثابت (Fixed Income Funds)، اعتادت على هذا النمط من التداول.
وأكد أن قواعد التداول الخاصة بالتداول المستمر جرى الانتهاء من مناقشتها، ومن المقرر إرسالها لاعتمادها رسميًا في اليوم ذاته.
وبيّن أن هذه القواعد ستتيح للمستثمرين وضع أوامر بيع وشراء مفتوحة وغير موجهة لجهة بعينها، على غرار ما يحدث في تداول الأسهم، بحيث يتم إدراج الأوامر في دفاتر الأوامر بشكل مفتوح، ما يعزز الشفافية والسيولة.
وأكد فريد أن إتاحة التداول في السوق الثانوي لصناديق الاستثمار، إلى جانب شركات السمسرة المرخص لها، ستفتح السوق أمام قاعدة أوسع من المتعاملين، بما في ذلك الأفراد، وهي نقطة شديدة الأهمية، خاصة في ظل الحدود الدنيا السابقة للتداول التي كانت تبدأ من 25 ألف جنيه ومضاعفاتها، أو 50 ألف جنيه، رغم أن القيمة الاسمية لأذون وسندات الخزانة تبلغ 100 ألف جنيه.
وأوضح أن التوجه الجديد يستهدف تمكين المستثمر من شراء أذن أو سند أو اثنين أو ثلاثة، بدلًا من الالتزام بمضاعفات محددة، ما يؤدي إلى زيادة النشاط في السوق الثانوي.
وأضاف أن زيادة النشاط في التداول تؤدي بطبيعتها إلى تحسين كفاءة تسعير الأوراق المالية، حيث يعكس السعر النهائي توازن العرض والطلب وآراء شريحة واسعة من المتعاملين.
التخارج السريع من أدوات الدين
وأشار إلى أن وجود سوق نشطة تتيح للمستثمرين التخارج السريع من أدوات الدين يقلل من العلاوة الإضافية التي كان المستثمر يطلبها عند الاكتتاب الأولي، موضحًا أن ضعف السيولة كان يدفع المستثمرين في بعض الأحيان إلى إضافة ما بين 1% و2% فوق سعر الفائدة الأساسي لتعويض مخاطر عدم القدرة على البيع.
وأكد أن انخفاض هذه العلاوة ينعكس في النهاية على خفض تكلفة الاقتراض على الدولة.
وأوضح أن التداول النشط في الأذون والسندات يمكّن الدولة من تسعير أدوات الدين بشكل أكثر انضباطًا، كما يساهم في بناء منحنى عائد أكثر كفاءة.
وأقر بأن بناء منحنى عائد طويل الأجل في ظل المستويات المرتفعة الحالية لأسعار الفائدة يمثل تحديًا، ومن غير المنطقي أن تربط وزارة المالية نفسها بإصدارات طويلة الأجل تمتد إلى 30 عامًا بأسعار فائدة مرتفعة.
وأضاف أنه مع عودة النشاط التدريجي للتداول وانخفاض أسعار الفائدة، يمكن بناء منحنى عائد متكامل يشمل آجالًا زمنية مختلفة، بما يتيح لوزارة المالية سد الفجوات الزمنية عبر إصدارات تمتد إلى 15 و20 و25 و30 عامًا، بعد أن كانت الإصدارات طويلة الأجل نادرة منذ ما قبل عام 2010.
وشدد رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية على أن تسعير السندات طويلة الأجل وبناء منحنى عائد مستدام لن يتحققا إلا بوجود سوق ثانوي نشط وحجم تداول كافٍ، مؤكدًا أن هذا هو الهدف النهائي من تطوير وتنظيم السوق الثانوي لأدوات الدين الحكومية.
وأكد فريد تصريحاته على أن عملية الإصلاح لا تنجح بالقواعد وحدها، بل تحتاج إلى إيمان جماعي من جميع أطراف السوق، حتى تنعكس آثارها الإيجابية على كفاءة السوق، وخفض تكلفة التمويل، ودعم النمو الاقتصادي المستدام.
في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع والتي يمكنك متابعتها:





