«مي حجازي» تكتب..العملات المستقرة وإعادة برمجة المال..كيف تبني البنوك والاقتصادات سيادتها الرقمية 

بقلم مي حجازي
على مدار العقد الماضي، لم تتغير الأدوات المالية فقط، بل تغيّرت فكرة المال نفسها.
العملات المستقرة لم تظهر كاختراع ثوري، بل كحل عملي لمشكلة واضحة: التقلب الحاد في العملات الرقمية. لكن ما بدأ كأداة مساعدة للمتداولين، تحوّل تدريجيًا إلى بنية تحتية صامتة يعاد من خلالها تشكيل النظام المالي العالمي.

الجذور: رحلة عشر سنوات من التجربة إلى النضج (2014–2024)

ظهرت أولى العملات المستقرة في عام 2014 مع إطلاق Tether (USDT)، المرتبطة بالدولار بنسبة 1:1. في تلك المرحلة، لم تكن مشروعًا مؤسسيًا ولا تهديدًا للنظام المصرفي، بل أداة لتجنّب التقلب داخل منصات التداول.
مع طفرة 2017، تغيّر الدور. أصبحت العملات المستقرة وسيلة تسوية سريعة بين المتداولين، ثم أداة تحويل عابرة للحدود.
أما بين 2020 و2024، فقد دخلت مرحلة النضوج المؤسسي؛ حيث بدأت مؤسسات مالية عالمية في التعامل معها كترقية تقنية لأنظمة التسوية التقليدية، لا كبديل عنها.
أمثلة واضحة على ذلك:
  • JPMorgan Chase عبر إطلاق JPM Coin لتسويات المدفوعات المؤسسية.
  • Visa و PayPal عبر دمج العملات المستقرة في شبكات الدفع العالمية.
هنا أصبح واضحًا أن العملات المستقرة ليست ضد البنوك، بل داخل البنية البنكية نفسها.

2026: من «نقود رقمية» إلى «نقود ذكية»

في 2026، لم يعد السؤال: هل العملة مستقرة؟
بل: ماذا تستطيع هذه العملة أن تفعل؟


نحن نشهد انتقالًا من نقود رقمية صامتة إلى نقود قابلة للبرمجة، بثلاثة تحولات رئيسية:

1. اقتصاد الوكلاء الذكيين (AI Agent Economy)

العملات المستقرة أصبحت وسيلة الدفع الطبيعية لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
المساعدات الرقمية لم تعد تكتفي بالاقتراح، بل تنفذ: تحجز خدمات، تدير اشتراكات، وتُجري مدفوعات فورية ضمن تفويضات محددة من المستخدم.
هنا، المال يتحرك بسرعة القرار، لا سرعة الإنسان.


2. التبني الشعبي والمدفوعات الدقيقة

عبر تطبيقات مثل Telegram و WhatsApp، أصبح إرسال الأموال عالميًا بسيطًا كإرسال رسالة.
هذا لم يحوّل العملات المستقرة إلى أداة استثمار فقط، بل إلى جزء من الإنفاق اليومي، خاصة في التحويلات الصغيرة والفورية.


3. الخليج: دخول من بوابة التنظيم لا المغامرة

الخليج لم يتأخر، لكنه اختار طريقًا مختلفًا: التنظيم قبل التوسع.
  • السعودية (SAMA) تقود تجارب متقدمة في الريال الرقمي، بالتعاون مع بنوك كبرى مثل مصرف الراجحي وSNB، مع تركيز واضح على المدفوعات العابرة للحدود.
  • الإمارات عبر مشروع عابر المشترك، وبنوك مثل Emirates NBD و FAB، تستثمر في بنية الأصول الرقمية وتسوياتها.
  • البحرين منحت تراخيص لبنوك مثل ABC لاختبار استخدام العملات الرقمية المستقرة في المدفوعات الدولية.
هذه التحركات لا تهدف إلى استبدال العملات الوطنية، بل إلى تعزيز السيادة النقدية بأدوات رقمية أكثر كفاءة.

خارطة الطريق المتوقعة (2028–2031)

2028: المال غير المرئي
من المرجّح أن يختفي مصطلح “العملات المستقرة” من وعي المستخدم.
ستُدمج هذه البروتوكولات في خلفية التطبيقات البنكية والتجارية. المستخدم لن يهتم بالوسيط التقني، بل بسرعة التحويل وموثوقيته.
المال سيصبح بنية تحتية لا تُرى، لكنها تُعتمد.
2030: سيادة مالية أكثر ذكاءً
بحلول 2030، قد تتحول العملات الرقمية المنظمة إلى حوامل لهوية رقمية وائتمانية.
هذا لا يلغي دور البنوك، بل يعيد توزيع الأدوار: قرارات أسرع، اعتماد أكبر على البيانات، وتقليل الاحتكاك البشري في العمليات المتكررة.
ما بعد 2031: اقتصاد الآلة للآلة (M2M)
Machine-to-Machine (M2M) يعني أن أنظمة مستقلة — مثل شبكات الطاقة أو النقل الذكي — تستطيع إجراء مدفوعات وتسويات فيما بينها تلقائيًا لتحسين الكفاءة.
الإنسان لا يُستبعد، لكنه ينتقل إلى دور الإشراف والحوكمة، بينما تُدار العمليات الدقيقة آليًا.

الخلاصة

العملات المستقرة في 2026 ليست «موضة»، ولا «ثورة فجائية».
هي نتيجة عشر سنوات من التجربة، وأساس لمرحلة جديدة من برمجة المال.
الخطر الحقيقي اليوم ليس في استخدامها، بل في التأخر عن فهم دورها كبنية تحتية للنظام المالي الحديث.
ومن يظن أن المستقبل سيُبنى بنفس أدوات الماضي، سيجد نفسه خارج المشهد — لا لأن التكنولوجيا سبقته، بل لأنه تجاهل اتجاهها.
بقلم:
مي حجازي
خبيرة التحول الرقمي في القطاع المصرفي
في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع والتي يمكنك متابعتها: