فنتيك جيت: مصطفى عيد
في عالم المال العالمي عالي المخاطر، يواصل ماسايوشي سون، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «SoftBank» اليابانية، لعب دور المغير الأكبر لقواعد اللعبة. ومع مطلع عام 2026، أعلن سون دخول مجموعته ما وصفه بـ«وضع الهجوم الكامل»، مدفوعًا بقناعة راسخة بأن العالم ينتقل من الأتمتة البسيطة إلى عصر الذكاء الاصطناعي الفائق (ASI)، وهو تحول يتوقع أن يصنع فجوة ثروات غير مسبوقة منذ الثورة الصناعية.
ويختصر سون فلسفته الاستثمارية في عبارة يكررها باستمرار: «أكبر خطر هو عدم المخاطرة على الإطلاق». ويرى أن هذه القناعة تكتسب وزنًا مضاعفًا في اقتصاد تقوده الخوارزميات والبنية التحتية الذكية، حيث لم تعد البرمجيات وحدها محور القيمة، بل أصبحت الرقائق الإلكترونية، والطاقة، ومراكز البيانات، والروبوتات هي نقاط تركّز القوة الحقيقية.
وُلد ماسايوشي سون عام 1957 في مدينة توسو اليابانية، ونشأ في عائلة تنتمي إلى الأقلية الكورية العرقية في اليابان، وهي فئة عانت طويلًا من التمييز وقلة الفرص. ومنذ صغره، تعلّم معنى عدم الأمان، وهو ما شكّل شغفه بالاستباق والرؤية بعيدة المدى. وفي سن المراهقة، قرر أن يصبح ثريًا قبل بلوغه الثلاثين، لا بحثًا عن المكانة، بل سعيًا للحرية في تنفيذ الأفكار دون قيود.
وفي عمر 16 عامًا، انتقل سون بمفرده إلى كاليفورنيا، حيث عمل في وظائف متعددة، وتعلم اللغة الإنجليزية، ودرس الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا – بيركلي. وخلال فترة دراسته، اخترع جهاز ترجمة إلكتروني، وباع براءة اختراعه لشركة «Sharp» مقابل نحو مليون دولار. علّمه هذا النجاح المبكر درسًا محوريًا، مفاده أن الأفكار القابلة للتوسع تتفوق دائمًا على العمل اليدوي، وأن رأس المال يتبع الرافعة.
وفي أوائل العشرينيات من عمره، دوّن سون ما أسماه «رؤية 300 عام»، حدد فيها القطاعات التي توقع أن تهيمن على القرون القادمة، وفي مقدمتها الحوسبة، والشبكات، والذكاء الاصطناعي. ورغم أن كثيرين اعتبروا الوثيقة خيالًا، تعامل معها سون باعتبارها خريطة طريق ملزمة.
وبعد سنوات من الرهانات المتقلبة خلال حقبة «Vision Fund»، خرج سون بتركيز أكثر حدة. ويعترف صراحة بأن أكبر أخطائه تمثل في بيع حصته في «Nvidia» مبكرًا، وهو قرار كلّف «SoftBank» عشرات المليارات من الدولارات كأرباح ضائعة. ومنذ ذلك الحين، تحوّل هذا الندم إلى درس استراتيجي، إذ يؤمن سون بأن العقد المقبل سيحسم من يسيطر على الذكاء نفسه، ومن يتخلف عن الركب.
وتقوم «قاعدة ثروة ماسا» على اكتشاف النمو الأُسّي قبل أن يصبح واضحًا للجميع. وفي عام 2026، يعني ذلك تجاوز الاستثمار في البرمجيات فقط، والتركيز على البنية التحتية المادية للذكاء الاصطناعي. ولهذا، تضخ «SoftBank» مليارات الدولارات في الرقائق المتخصصة، والروبوتات، ومراكز البيانات الموفرة للطاقة. ويؤكد سون أن البرمجيات يمكن نسخها، لكن البنية التحتية المادية تخلق «خندقًا» يحمي الثروة على المدى الطويل.
وتُظهر بيانات إفصاحات «SoftBank» لعام 2026 تركّزًا استثماريًا كبيرًا في مشروع «Izanagi»، وهو مبادرة بقيمة 100 مليار دولار لبناء قوة عالمية في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي. ويرى سون أن السيطرة على «عقول» المستقبل تضمن بقاء المجموعة في قلب الاقتصاد العالمي. كما يدعو المستثمرين إلى البحث عن أصول «عنق الزجاجة»، مثل الرقائق المتقدمة وشبكات الطاقة الضخمة، التي يعتمد عليها كامل قطاع الذكاء الاصطناعي.
ومع حلول 2026، تحوّل سباق الذكاء الاصطناعي الفائق إلى مسألة بقاء على المستويين الوطني والشركاتي. ويتوقع سون أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من البشر بعشرة آلاف مرة خلال عقد واحد. ولا يطرح هذا التوقع كتنبؤ تقني فقط، بل كخريطة طريق مالية، إذ يعمد إلى تصفية الأصول «الخطية» القديمة لتمويل استثمارات «أُسّية». وفي هذا السياق، خفّضت «SoftBank» انكشافها على التجارة الإلكترونية التقليدية، لتعزيز استثماراتها في الروبوتات الذاتية والشبكات العصبية.
روابط ذات صلة:
«سوفت بنك» تستثمر 41 مليار دولار في «أوبن أيه آي» لتعزيز رهاناتها على الذكاء الاصطناعي
بلومبرج: «سوفت بنك» اليابانية تقترب من الاستحواذ على «DigitalBridge» الأمريكية للأصول الرقمية
أسهم «سوفت بنك» تفقد 40 % من قيمتها بعد تصاعد المنافسة بين نماذج الذكاء الاصطناعي






