«نادر هاني» يكتب: أهمية بناء «ثقافة الانجاز و التنفيذ» في البنوك بنفس قوة إدارة المشاريع التقليدية

«في عالم التمويل السريع التغيّر، تعمل البنوك وسط بيئة تتسم بالتنظيمات الصارمة، والمنافسة الشرسة، وتوقعات العملاء المتجددة باستمرار. تقليديًا، اعتمدت البنوك على إدارات إدارة المشاريع القوية لقيادة المبادرات المعقدة وضمان تسليم المشاريع في الوقت المحدد، ضمن الميزانية، وبالنطاق المطلوب. لكن في عصر الرقمنة الحالي، لم يعد وجود إدارة مشاريع قوية كافيًا. يجب على البنوك أن تبني “ثقافة الانجاز و التنفيذ ” (Delivery Culture) وترفعها إلى نفس مستوى الأهمية الاستراتيجية التي تُعطى لإدارة المشاريع. إليكم السبب»

ما هي ثقافة الانجاز و التنفيذ في القطاع المصرفي؟

ثقافة الانجاز و التنفيذ هي روح تنظيمية تجعل كل فرد في المنظمة – من الرئيس التنفيذي إلى الموظف في الصف الأمامي – مشاركًا في تسليم المنتجات والخدمات والابتكارات بسرعة وكفاءة وجودة عالية. ليست مجرد عمليات وعمليات، بل هي عقلية تركز على المساءلة، التعاون، والنتائج الملموسة.

بينما تُركز إدارة المشاريع التقليدية على التخطيط، تقييم المخاطر، والتحكم (مخططات جانت، منهجية PMBOK)، تأتي ثقافة الانجاز و التنفيذ مستوحاة من مبادئ الأجايل، الديف أوبس، والتفكير الرشيق (Lean). تشجع على التقدم التدريجي، حلقات التغذية الراجعة السريعة، والتكيف المستمر.

بالنسبة للبنوك، هذا يعني الانتقال من نمط العمل المعزول والبيروقراطي إلى نمط يجعل “الانجاز و التنفيذ” مسؤولية الجميع.

زيادة المرونة في صناعة محاطة بالتنظيمات

تواجه البنوك تحديًا فريدًا: الابتكار بسرعة مع الالتزام بقوانين معقدة مثل بازل 3، اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR، وقوانين مكافحة غسل الأموال. إدارة المشاريع ممتازة في ضمان الامتثال وتخفيف المخاطر، لكنها قد تُحدِث جمودًا في بعض الأحيان. ثقافة الانجاز و التنفيذ تملأ هذه الفجوة من خلال تعزيز المرونة دون التفريط في الأمان.

مثلاً: في إدارة المخاطر، تتيح ثقافة الانجاز و التنفيذ تحديث أنظمة كشف الاحتيال في الوقت الفعلي بدلاً من دورات الموافقة الطويلة، مما يقلل التعرض للهجمات السيبرانية التي تكلف الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات سنويًا.

دفع الابتكار والتفوق التنافسي

في عصر التحول الرقمي، الابتكار ليس خيارًا بل ضرورة للبقاء. إدارة المشاريع تضمن وضع نطاق وموارد للأفكار، لكن ثقافة الانجاز و التنفيذ هي التي تحول الأفكار إلى قيمة حقيقية للعميل. البنوك التي تمتلك ثقافة تسليم ناضجة تستطيع تجربة تقنيات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي في التخصيص أو البلوك تشين في المدفوعات عبر الحدود بطريقة تدريجية ومبنية على تعليقات العملاء.

خذوا مبادرة “الخدمات المصرفية المفتوحة” في أوروبا (PSD2) مثالًا: البنوك التي اعتمدت ثقافة الانجاز و التنفيذ نجحت في ربط واجهات برمجية (APIs) مع مزودي خدمات خارجيين بسلاسة، مما خلق مصادر إيرادات جديدة. أما البنوك التي بقيت في نمط إدارة المشاريع التقليدية فتأخرت وتكبدت تكاليف أعلى ووقتًا أطول للوصول إلى السوق.

رفع الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف

الكفاءة هي شريان الحياة في القطاع المصرفي حيث الهوامش ضيقة والتكاليف التشغيلية قد ترتفع بسرعة. ثقافة الانجاز و التنفيذ تقضي على الهدر وتبسط سير العمليات. تقنيات مثل رسم خرائط تدفق القيمة وأتمتة الاختبار تقلل الأورقة البشرية وتسرّع العمليات مثل الموافقة على القروض أو فتح الحسابات.

بنك يمتلك ثقافة تسليم قوية قد يختصر وقت إطلاق تحديث برمجي من أسابيع إلى أيام، مما يوفر ملايين الدولارات من توقف الخدمات ويقلل أخطاء الامتثال.

تمكين الموظفين وبناء الصلابة التنظيمية

ثقافة الانجاز و التنفيذ في جوهرها ثقافة بشرية. في بيئة مصرفية تعاني فيها نسبة كبيرة من الموظفين من الإرهاق بسبب الضغوط التنظيمية، هذه الثقافة تمنح الشعور بالملكية والتأثير المباشر، مما يرفع الروح المعنوية ويحسن معدلات الاحتفاظ بالمواهب.

خلال جائحة كوفيد-19، استطاعت البنوك التي تمتلك ثقافة تسليم قوية التحول السريع إلى العمل عن بُعد وتوسيع الخدمات الرقمية. إدارة المشاريع وفرت الهيكل، لكن ثقافة الانجاز و التنفيذ هي التي منحت الصلابة والقدرة على التكيف السريع.

التحديات وكيفية التغلب عليها

تبني ثقافة الانجاز و التنفيذ ليس سهلاً في بنوك لها أنظمة قديمة وعقلية محافظة على المخاطر. الحلول تشمل:

– قيادة التغيير من القمة

– استثمار مكثف في التدريب (شهادات أجايل، ديف أوبس)

– ربط مؤشرات الأداء الرئيسية بالنتائج وليس فقط بالمعالم

– البدء بمشاريع تجريبية صغيرة ثم التوسع

الخلاصة: عمودان متساويان لنجاح البنك الحديث

في النهاية، إدارة المشاريع القوية ضرورية للهيكلة والتحكم، لكن ثقافة الانجاز و التنفيذ بنفس القوة ضرورية للسرعة والابتكار والتكيف. معًا يشكلان العمودين المتساويين للبنك الناجح في العصر الرقمي.

البنوك التي تعامل “ثقافة الانجاز و التنفيذ” ككفاءة أساسية لن تكتفي فقط بالامتثال والتحكم في المخاطر، بل ستزدهر وتقود السوق. أما من يتأخر في هذا التحول فسيجد نفسه خارج السباق.

حان الوقت أن “تُسلّم” البنوك… وليس فقط أن تدير المشاريع.

بقلم

نادر هانى

خبير اداراة المشروعات و التحول الرقمى

في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع والتي يمكنك متابعتها: