فينتك جيت: مصطفى عيد
في لحظة تاريخية لأسواق المال العالمية، أنهى وارن بافيت، أحد أعظم المستثمرين في التاريخ، مسيرته التنفيذية التي امتدت لنحو 60 عامًا على رأس شركة «بيركشاير هاثاوي»، مسدلًا الستار على حقبة استثنائية حوّل خلالها شركة نسيج متعثرة إلى واحدة من أكبر التكتلات الاستثمارية في العالم بقيمة سوقية تجاوزت تريليون دولار، ومحفظة أصول واستثمارات تُعد من الأضخم والأكثر تأثيرًا في الأسواق.
وارن بافيت، الذي وصف استثماره الأول في «بيركشاير هاثاوي» ذات مرة بأنه “أغبى استثمار في حياته”، نجح في إعادة صياغة مسار الشركة بالكامل، ليبني نموذجًا استثماريًا فريدًا قائمًا على الصبر، والاستثمار طويل الأجل، والالتزام الصارم بالقيمة. وخلال تلك العقود، لم يقتصر تأثيره على تحقيق عوائد استثنائية للمساهمين، بل امتد ليشكّل مدرسة فكرية كاملة في عالم الاستثمار، انعكست على أجيال من المستثمرين حول العالم.
ومع نهاية عام 2025، سلّم بافيت منصب الرئيس التنفيذي رسميًا إلى غريغ آبيل، مع احتفاظه بمنصب رئيس مجلس الإدارة، في خطوة وُصفت بأنها انتقال مدروس يضمن الاستمرارية ويقلل من أي اضطرابات محتملة. وعلى الرغم من بلوغه الخامسة والتسعين من العمر، لا يزال بافيت يخطط لمواصلة التواجد في مقر الشركة بمدينة أوماها. مع الإبقاء على تأثيره المعنوي والفكري داخل المؤسسة.كما إضافة إلى احتفاظه بنحو 30% من حقوق التصويت. وهو ما يراه محللون بمثابة “درع حماية” ضد أي محاولات لتغيير جوهر فلسفة الشركة.
سلاسة العمليات اليومية والتحديات التشغيلية
غريغ آبيل، الخليفة الذي اختاره بافيت بعناية، ليس وجهًا جديدًا داخل «بيركشاير هاثاوي». فقد انضم إلى المجموعة في عام 2000 بعد استحواذها على حصة مسيطرة في «ميدأمريكان إنرجي» حيث كان يشغل منصب الرئيس. ومنذ تعيينه نائبًا لرئيس العمليات غير التأمينية في 2018، تولى عمليًا إدارة عدد كبير من الشركات التابعة، ونجح في تحقيق أداء وُصف بـ”الاستثنائي”. مع ضمان سلاسة العمليات اليومية والتعامل مع التحديات التشغيلية التي لم يكن بافيت يرغب في الانخراط فيها بشكل مباشر.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأ آبيل في ترك بصمته الإدارية بهدوء، مع الحفاظ على الثقافة المؤسسية التي أرساها بافيت. ففي عام 2025. أضاف طبقة إدارية جديدة عبر تعيين رئيس لفرع «نت جيتس»، بهدف دعم الرؤساء التنفيذيين لنحو 32 شركة تابعة تعمل في قطاعات المنتجات الاستهلاكية والخدمات والتجزئة. ورغم هذه التعديلات. كما يؤكد المستثمرون والمحللون أن التغييرات لن تكون دراماتيكية، وأن الاستراتيجيات الأساسية التي قامت عليها «بيركشاير» ستظل على حالها.
في قلب هذا الانتقال التاريخي، تتجه أنظار الأسواق إلى محفظة الأسهم العملاقة للشركة، التي تقدر قيمتها بنحو 300 مليار دولار، وتعد أحد أهم أعمدة ثقة المستثمرين في «بيركشاير هاثاوي» عبر العقود. ويتولى غريغ آبيل الإشراف العام على هذه المحفظة، في وقت تثار فيه تساؤلات حول كيفية إدارتها في مرحلة ما بعد بافيت. خاصة مع رحيل أحد كبار مديري الاستثمار، تود كومبس، وبروز تيد ويشلر كأحد الأسماء الرئيسية المتوقعة للمشاركة في إدارة الاستثمارات.
توازن دقيق بين الاستمرارية والانفتاح
ويرى خبراء أن بقاء بافيت رئيسًا لمجلس الإدارة سيساهم في تحقيق توازن دقيق بين الاستمرارية والانفتاح على أفكار جديدة. حيث ستظل فلسفة الاستثمار طويل الأجل حاضرة بقوة، مع منح الإدارة الجديدة مساحة للتكيف مع متغيرات الأسواق العالمية. كما يتوقع أن يتم توزيع الأدوار بين الإدارة التنفيذية وفريق الاستثمار لضمان الحفاظ على الأداء القوي للمحفظة. التي تضم حصصًا كبيرة في شركات مدرجة كبرى في الولايات المتحدة واليابان.
وعلى صعيد الأداء المالي، شهد عام وداع بافيت تحركات لافتة في أسهم «بيركشاير هاثاوي». فقد تراجعت أسهم الفئة A بعد إعلان تنحيه في مايو 2025، بعدما سجلت مستوى تاريخيًا عند 809,350 دولارًا. قبل أن تنخفض بنسبة 14.4% إلى 692,600 دولار في أغسطس، ثم تعاود الارتفاع لتغلق العام عند 754,800 دولار، محققة مكاسب سنوية بلغت 10.9%. وسارت أسهم الفئة B على مسار مشابه تقريبًا. وفي المقابل، سجل مؤشر S&P 500 ارتفاعًا بنسبة 16.4% خلال العام نفسه. ما أدى إلى تراجع نسبي في أداء «بيركشاير» مقارنة بالمؤشر، خاصة بعد احتساب العوائد الموزعة.
القيمة السوقية
أما من حيث السيولة، فقد بلغت القيمة السوقية للشركة نحو 1.085 تريليون دولار. مع رصيد نقدي ضخم وصل إلى 381.7 مليار دولار حتى 30 سبتمبر 2025، بزيادة ملحوظة على أساس ربع سنوي. وبلغ صافي النقد، بعد استبعاد البنود المرتبطة بالسكك الحديدية وسندات الخزانة المستحقة، نحو 354.3 مليار دولار. في وقت لم تنفذ فيه الشركة أي عمليات إعادة شراء للأسهم منذ مايو 2024. كما يعكس استمرار نهج الانتظار والترقب الذي لطالما تبناه بافيت.
كما بعيدًا عن الأرقام، يبقى إرث وارن بافيت هو العامل الأهم في مستقبل «بيركشاير هاثاوي». فحتى بعد تنحيه عن المنصب التنفيذي، يتوقع محللون أن يظل تأثيره حاضرًا في قرارات الشركة الكبرى. سواء فيما يتعلق بتوزيعات الأرباح أو إعادة شراء الأسهم أو توقيت الدخول في استثمارات جديدة. ويجمع كثيرون على أن المرحلة المقبلة لن تكون قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا لنهج استثماري أثبت قدرته على الصمود عبر الأزمات والدورات الاقتصادية. مع قيادة جديدة تسعى إلى الحفاظ على هذا الإرث وتطويره بما يتلاءم مع عالم سريع التغير.
في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع والتي يمكنك متابعتها:






