مالك سلطان يكتب.. هل يصل مؤشر البورصة المصرية إلى 150 ألف نقطة؟

بعد الصعود القياسي الذي سجلته سوق الأسهم المصرية خلال التام الأعوام القليلة الماضية وامتد لبداية العام الحالي 2026، بدأ الحديث يتردد عن إمكانية وصول مؤشر البورصة المصرية إلى مستوى 150 ألف نقطة، أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف مستواه الحالي، تساؤلات مشروعة لدى المتابعين والمستثمرين، خاصة في ظل التحولات العميقة التي شهدها الاقتصاد المصري خلال العقود الأخيرة.

بورصة كانت نخبوية

وقبل نحو 25 عامًا، كانت التعاملات في البورصة المصرية ذات طابع نخبوِي إلى حدٍّ كبير. صحيح أن السوق ضم آنذاك متداولين من خلفيات مهنية متنوعة، من تجار الأخشاب والدواجن إلى المهندسين والأطباء، إلا أن أعدادهم كانت محدودة للغاية، حيث لم يتجاوز إجمالي المتعاملين في مصر قرابة 20 ألف شخص فقط.

إصلاحات 2003 وصعود تاريخي في 2007

ومع إصلاحات عام 2003 وما تلاها، تغير المشهد جذريًا، إذ نجحت البورصة في جذب رؤوس أموال ضخمة لصناديق استثمار عربية وأجنبية، ما أدى إلى صعود غير مسبوق في عام 2007، في ظل استقرار سعر الدولار عند نحو 5 جنيهات، ووصول القيمة السوقية للبورصة إلى أكثر من 100% من حجم الاقتصاد. وعلى النقيض من ذلك، تقل القيمة السوقية للبورصة حاليًا عن 20% فقط من القيمة الاسمية للاقتصاد.

اقتصاد إسمي يتضاعف وضغوط تضخمية

وخلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة، شهد الاقتصاد المصري تحولات كبيرة، حيث كان حجمه الاسمي في عام 2010 أقل من تريليون جنيه، بينما يُتوقع أن يقترب خلال العام المقبل من 20 تريليون جنيه، أي نمو اسمي بنحو 20 ضعفًا خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
هذا التضخم المتسارع دفع الأفراد إلى البحث عن أدوات استثمارية تحمي مدخراتهم، في وقت تبدو فيه البدائل محدودة.

من الذهب والعملات إلى سوق الأسهم

تاريخيًا، اعتمدت الأجيال السابقة على الذهب والعملات، لا سيما بعد تجارب فشل شركات توظيف الأموال، في محاولة لتحقيق عائد يوازن أثر التضخم، دون إقبال يُذكر على البورصة. إلا أن المشهد بدأ يتغير مع جيل زد، الذي أبدى جرأة أكبر في تبني الاستثمار في سوق الأسهم كوسيلة لمواجهة التضخم والبحث عن العائد. فقد دخل مئات الآلاف من الشباب دون سن الثلاثين إلى البورصة، باستثمارات بسيطة تبدأ من ألف أو ألفي جنيه، قبل أن ينخرطوا تدريجيًا في تعلم آليات هذا العالم الاستثماري.

تحول قناعات الأجيال الأكبر سنًا

كذلك، بدأت قناعات مواليد السبعينيات والثمانينيات تتغير، بعدما ظلوا لسنوات طويلة ينظرون إلى البورصة باعتبارها مخاطرة أو مقامرة. كثيرون منهم اشتروا أسهمهم الأولى بعد تجاوز سن الأربعين، مدفوعين بتأثير التضخم والنمو الاسمي الضخم للاقتصاد، إلى جانب انتشار المحتوى التوعوي الذي يقدمه متداولون جدد عبر مقاطع الفيديو، ما أسهم في تقليل رهبة السوق لدى الفئات الأكبر سنًا وزيادة معدلات الإقبال، مع تساؤلات متزايدة من قبيل: ماذا نشتري؟ من أي سهم نحقق عائدًا؟ هل بالتحليل الفني أم المالي؟ مضاربة أم استثمار؟

غياب نسبي للأجانب

ورغم هذا الإقبال المحلي المتزايد، المدعوم باحتمالية دخول ملايين الأفراد إلى البورصة لأول مرة في تاريخها، فإن المستثمرين الأجانب المؤسسات لا يزالون غائبين نسبيًا، رغم أنهم كانوا سببًا رئيسيًا في الصعود التاريخي للبورصة عام 2007، عندما كانت الأسواق الناشئة تحظى بطلب عالمي قوي. غير أن هذا الطلب قد يكون في بدايات عودته بحلول عام 2026، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل يمكن أن يعود بقوة؟

عندما يلتقي المستثمر المحلي بالأجنبي

تخيل عودة الصناديق الأجنبية لشراء الأسهم المصرية، هذه المرة في سوق تضم مئات الآلاف من المستثمرين المحليين النشطين. علمًا بأن الاستثمارات المحلية وحدها دفعت مؤشر البورصة إلى مستوى قياسي تجاوز 40 ألف نقطة، رغم أن القيمة السوقية لا تزال أقل من 20% من حجم الاقتصاد الاسمي. إذا التقت القوتان، المحلية والأجنبية، فقد نشهد مستويات تتراوح بين 100 ألف و150 ألف نقطة، مع اقتراب القيمة السوقية للبورصة من 50% إلى 60% من حجم الاقتصاد.

عوامل داعمة للسيناريو المحتمل

هذا السيناريو يظل واردًا في ضوء عدة عوامل، أبرزها استراتيجية الدولة لتشجيع القطاع الخاص والتخارج من بعض القطاعات، وهو ما برز بوضوح في تصريحات المسؤولين خلال مؤتمر دافوس، إلى جانب استقرار سعر الصرف، ومرونة السياسات الاقتصادية، وتنامي القناعة العالمية بأن استقرار منطقة الشرق الأوسط يتحقق عبر التجارة والتنمية الاقتصادية، بدعم من مؤسسات التنمية الدولية، فضلًا عن الطروحات الجديدة والمتنوعة في البورصة المصرية.

ليس دعوة للبيع أو الشراء

وأؤكد في الختام أن ما سبق ليس دعوة للبيع أو الشراء، ولا توقعًا لحركة السوق على المدى القصير، وإنما دعوة للمتابعة والتعلم لكل من يهتم باستثمار أمواله. ففي حال تحقق سيناريو الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص، والاستقرار الإقليمي، فلن يكون منطقيًا أن تستمر الأسهم المصرية في التداول عند مضاعفات تعادل ربع أو نصف مثيلاتها في الأسواق الناشئة الأخرى، خاصة في قطاعات البنوك والعقارات والصحة والتكنولوجيا.

بقلم: مالك سلطان _ خبير اقتصادي