فنتيك جيت : مصطفي عيد
في واحدة من أكثر الحوارات ثراءً وتجسيدًا لتحولات عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال في المنطقة. يروي رائد الأعمال عبدالله أبو الشيخ. مؤسس منصة «مال» والرئيس التنفيذي السابق لتطبيق «بوتيم». واحدة من أكثر الرحلات غير التقليدية في عالم الأعمال. رحلة تبدأ من مقاعد الدراسة بين بريطانيا والأردن والصين.
ولا تنتهي عند تأسيس منصات خدمية ومالية وصلت إلى مئات الملايين من المستخدمين حول العالم. بل تمتد لتعيد تعريف مفاهيم العمل. والمسؤولية، والنجاح. وحتى فكرة التقاعد نفسها. يرسم أبو الشيخ ملامح قصة مختلفة. لا تشبه السرديات التقليدية لرواد الأعمال. بل تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع التحولات الاقتصادية الكبرى في العالم. وتتشابك فيها المسؤولية المبكرة مع قرارات مصيرية صنعت مسارًا مهنيًا غير متوقع.
نشأة متنقلة بين ثلاث ثقافات
نشأ عبدالله أبو الشيخ في بيئة متعددة الثقافات، متنقلًا بين الأردن حيث جذوره العائلية. وبريطانيا حيث تلقى جزءًا من تعليمه. والصين التي شكّلت محطة محورية في حياته. والده، الذي عمل لعقود طويلة في الصين. كان له أثر كبير في تكوين شخصيته، ليس فقط من ناحية الانضباط. بل من حيث ترسيخ مفهوم صارم للمبادئ.
قال أبو الشيخ فى لقاء مع قناة Al Mashhad المشهد، إن أكثر ما تأثر به كان البيئة الصينية. التي تعتمد على الانضباط الشديد بغض النظر عن العمر أو المرحلة. حيث لا يُمنح الفرد امتيازًا خاصًا بسبب صغر سنه أو ظروفه. بل يُعامل وفق معيار واحد: الالتزام. هذه التجربة. كما يصفها، كانت حجر الأساس في بناء شخصيته المهنية لاحقًا، وجعلته أكثر ميلًا للنظام والدقة، وأقل تقبلًا للفوضى أو التراخي.
كما يشير إلى أن والده غرس فيه فكرة محورية، وهي أن الإنسان لا يُعرّف إلا من خلال مبادئه، وأن تغيّر المبادئ وفق المواقف يعني غياب الأساس الأخلاقي الثابت، وهو ما اعتبره لاحقًا من أهم الدروس التي شكلت رؤيته في العمل والحياة.
من طالب جامعي إلى مسؤولية مفاجئة
انتقل عبدالله إلى كندا لاستكمال دراسته الجامعية، وهناك كان يعيش حياة طالب عادية بلا طموحات مهنية واضحة، إلى أن جاءت اللحظة التي غيّرت كل شيء: وفاة والده، هذه اللحظة لم تكن مجرد صدمة عاطفية، بل نقطة تحول كاملة في مسار حياته، إذ وجد نفسه أمام مسؤوليات عائلية وتجارية ضخمة، دون أن يكون قد أعد نفسه لها مسبقًا. فجأة، لم يعد طالبًا يفكر في المستقبل، بل أصبح مسؤولًا عن إدارة التزامات وشركات وأعمال مرتبطة بإرث والده.
هذه المرحلة، كما يصفها، لم تكن سهلة، بل كانت مليئة بالضغط والتحديات، خصوصًا في ظل غياب الخبرة العملية، وتعدد الأطراف والشركاء، والتعقيدات المرتبطة بالأصول والشركات.
الرحلة إلى أفريقيا وبداية التحول الكبير
بعد هذه المرحلة الانتقالية، اتجه أبو الشيخ إلى أفريقيا في محاولة لإعادة ترتيب بعض الأصول المرتبطة بأعمال العائلة، خصوصًا في قطاع الطيران. إلا أن هذه الرحلة لم تكن مجرد خطوة إدارية، بل شكلت بداية تحول جذري في مسيرته، خلال وجوده في دولة جامبيا، دخل في نقاشات مرتبطة بمشاريع الطاقة المتجددة، في وقت كانت فيه الأمم المتحدة ومؤسسات تنموية تدعم إنشاء مشاريع طاقة صغيرة في عدد من الدول النامية. ورغم أنه لم يكن يمتلك خبرة مسبقة في هذا المجال، إلا أنه وجد نفسه أمام فرصة جديدة.
ببساطة، كما يروي، وافق على خوض التجربة، مدفوعًا بالمسؤولية من جهة، وبغياب البدائل من جهة أخرى، ليبدأ أول مشروع له في مجال الطاقة المتجددة بالشراكة مع جهات دولية وشركات صينية، ويؤكد أن هذا المشروع لم يكن نتيجة خطة مسبقة، بل نتيجة تفاعل مباشر مع الظروف، ومع شبكة العلاقات التي كانت قائمة بين عائلته والجهات المحلية والدولية.
مشروع الطاقة المتجددة في جامبيا
مع الوقت، تطور المشروع الأول ليصبح شركة متخصصة في حلول الطاقة المتجددة، ونجحت في تنفيذ مشاريع وصلت قدرتها الإنتاجية إلى أكثر من 1.2 جيجاوات في عدد من الدول الأفريقية، ورغم النجاح السريع نسبيًا، يوضح أبو الشيخ أن السوق الأفريقية كانت مليئة بالتحديات، سواء على مستوى البنية القانونية أو الاستقرار السياسي أو طبيعة التنفيذ. إلا أن ضعف المنافسة في تلك الفترة، وارتفاع الطلب على الطاقة، خلق فرصة نمو غير تقليدية.
بعد حوالي ثلاث سنوات من العمل، قرر أبو الشيخ الخروج من هذا المشروع، ليس بسبب الفشل، بل نتيجة قناعة استثمارية مختلفة، تقوم على أن العائد لا يتناسب دائمًا مع حجم الجهد المبذول، وأن الفرص الأفضل غالبًا تكون في أماكن أخرى، هذه الفلسفة الاستثمارية، كما يشرح، تقوم على فكرة بسيطة: إذا كان بإمكانك تحقيق عائد أكبر بجهد مشابه، فمن المنطقي إعادة توجيه البوصلة.
التقاعد المبكر وبداية مرحلة جديدة
بعد خروجه من مشروع الطاقة، انتقل أبو الشيخ إلى الإمارات، في محاولة للابتعاد عن ضغط العمل. لكنه يعترف أن فكرة التقاعد لم تكن سوى محطة قصيرة جدًا، ففي غضون ثلاث سنوات فقط، أسس ثلاث شركات جديدة، ما يعكس طبيعة شخصية لا تستطيع التوقف عن البناء أو الابتكار. ويصف هذه المرحلة بأنها محاولة “غير ناجحة للتقاعد”، لأن العقلية الريادية لا تتوقف بمجرد تغيير المكان.
ويشير إلى أن ما يدفعه دائمًا هو الإحساس بوجود مشكلات غير محلولة يمكن تحويلها إلى فرص، خصوصًا تلك التي نشأت في أسواق متقدمة مثل الصين أو الولايات المتحدة، لكنها لم تصل بعد إلى المنطقة العربية بالشكل المناسب.
تأسيس منصة «رزق» وتجربة الخدمات عند الطلب
من بين أبرز المشاريع التي أطلقها في تلك المرحلة كانت منصة «رزق»، التي جاءت من تجربة شخصية بسيطة أثناء العيش بمفرده، حيث لاحظ صعوبة الحصول على خدمات منزلية بشكل منظم وسهل، تطورت الفكرة إلى منصة رقمية تربط المستخدمين بمقدمي خدمات متنوعة مثل التنظيف والتجميل والخدمات المنزلية، بطريقة أكثر تنظيمًا وشفافية.
ومع بداية جائحة كوفيد، شهدت المنصة نموًا كبيرًا، حيث أصبحت واحدة من أبرز المنصات في مجال الخدمات عند الطلب في المنطقة، وحققت ملايين العمليات، بما في ذلك خدمات طبية منزلية في فترة الذروة، ويؤكد أبو الشيخ أن النجاح لم يكن نتيجة “قفزة مفاجئة”، كما يُصوَّر إعلاميًا، بل نتيجة تراكم تدريجي، بدأ برأس مال محدود، ثم جولات تمويل صغيرة، وصولًا إلى توسع أكبر لاحقًا.
التحول إلى المركبات الكهربائية
لاحقًا، خاض تجربة جديدة في قطاع المركبات الكهربائية، مدفوعًا بتغيرات السوق العالمية واتجاه الشركات الكبرى نحو هذا القطاع، ونشأت الفكرة خلال فترة الإغلاق العالمي، حيث لاحظ فجوة في سوق الدراجات الكهربائية، خصوصًا في المنطقة، من حيث التصميم والملاءمة المناخية. هذا دفعه إلى التفكير في إنشاء حلول مخصصة للبيئة المحلية، بدل استنساخ نماذج جاهزة من الخارج، ويرى أبو الشيخ أن كثيرًا من الأسواق النامية تعاني من مشكلة “استيراد الحلول”، بدل تطوير حلول محلية تتناسب مع الظروف المناخية والاقتصادية.
من «التطبيق الفائق» إلى «المنصة المالية الكبرى»
في عام 2022، أسس أبو الشيخ شركة «أسترا تك»، التي استحوذت لاحقًا على عدة شركات، تمهيدًا لإطلاق منصة «بوتيم»، التي تُصنف اليوم كواحدة من أكبر المنصات في مجال الاتصال والخدمات المالية، يعتمد النموذج الذي تبنته الشركة على فكرة أن أي شخص يتواصل بشكل متكرر مع شخص آخر يحتاج إلى وسيلة مالية مدمجة داخل نفس المنصة، ما يخلق ما يعرف بتأثير الشبكة، حيث يؤدي استخدام شخص واحد إلى جذب آخرين تلقائيًا دون تكلفة تسويقية إضافية، هذه الفكرة ساهمت في وصول المنصة إلى أكثر من 150 مليون مستخدم حول العالم، وفق ما يذكره أبو الشيخ.
منصة «مال» ورؤية البنك الإسلامي الأكبر
في عام 2025، أعلن أبو الشيخ عن إطلاق منصة «مال»، التي تهدف إلى بناء أكبر بنك إسلامي رقمي في العالم، ويشرح أن الهدف ليس مجرد إنشاء بنك رقمي تقليدي، بل إعادة تعريف مفهوم الخدمات المصرفية الإسلامية بطريقة رقمية بالكامل، تعتمد على الكفاءة التقنية وتقليل التعقيد البنكي التقليدي، ويرى أن القطاع المصرفي التقليدي يعاني من بطء في التحول الرقمي بسبب بنيته القديمة، ما يجعل التحول الكامل شبه مستحيل دون إعادة بناء النموذج من الأساس.
فلسفة الاستثمار والتمويل
يركز أبو الشيخ على أن المستثمرين لا يراهنون فقط على الأفكار، بل على الأشخاص القادرين على التنفيذ. فالفكرة، كما يقول، متاحة للجميع، لكن القدرة على تحويلها إلى واقع هي العنصر الفاصل، كما ينتقد فكرة انتظار التمويل قبل البدء، معتبرًا أن هذا التفكير يؤدي إلى تعطيل الكثير من المشاريع الناشئة، وأن البداية الفعلية هي الشرط الأساسي لجذب أي استثمار حقيقي.
روابط ذات صله :
. «بوتيم موني» تطلق خدمة الاستثمار فى «الفضة الرقمية» باستثمار يبدأ من 10 دراهم
. «بوتيم موني» توقع مذكرة تفاهم مع «بينانس» لتوسيع الوصول للعملات الرقمية فى الإمارات
. «أو جولد» و«بوتيم» يطلقان أول منصة رقمية للاستثمار بالذهب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا




