فنتيك جيت: ريهام علي
أكد الدكتور أحمد فكري عبد الوهاب، عضو المجلس التصديري للصناعات الهندسية ونائب رئيس الاتحاد الإفريقي لمصنعي السيارات، أن التكامل الاقتصادي والاجتماعي داخل القارة الإفريقية لم يعد خيارًا نظريًا أو شعارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل أصبح ضرورة عملية لبناء قدرات إنتاجية حقيقية، وتعزيز التجارة البينية، وتحويل الموارد البشرية والطبيعية الضخمة التي تمتلكها القارة إلى قيمة اقتصادية وتنموية ملموسة.
وقال عبد الوهاب، خلال كلمته ضمن فعاليات ندوة معرضي الصناعات الهندسية «أوتوميكانيكا فرانكفورت وجنوب أفريقيا 2026» (Automechanika Frankfurt & South Africa 2026) إن إفريقيا لا تعاني من نقص في الإمكانات، لكنها تواجه فجوة واضحة في تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج وفرص عمل وصادرات وتنمية مستدامة، مشيرًا إلى أن مستقبل القارة يتوقف على قدرتها على بناء مؤسسات قوية، وآليات تنفيذ فعالة، ومنصات تمويل وتجارة قادرة على ربط الشركات الإفريقية بالأسواق العالمية.
وأضاف أن الحديث عن التكامل الإقليمي وآليات التعاون بين الدول الإفريقية يجب أن يبدأ من فهم واضح لطبيعة التحديات التي تواجه القارة، وأسباب عدم تحول إمكاناتها الكبيرة حتى الآن إلى قوة إنتاجية وتنموية كاملة، مؤكدًا أن التكامل لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره مجرد اجتماعات أو ترتيبات شكلية، بل كمسار عملي يرتبط بالمساواة، وبناء المؤسسات، وتحسين آليات التنفيذ.
وأوضح عبد الوهاب أن «بدون اجتماعات وحوار حقيقي لا نصل إلى مساواة، وبدون مساواة لا يتحقق التكامل، وبدون تكامل لا يمكن بناء عمليات داخلية قوية قادرة على دفع التنمية»، لافتًا إلى أن الكثير من النقاشات حول مستقبل إفريقيا تتجه سريعًا إلى الحديث عن التخطيط، والمناطق الاقتصادية، وآليات العمل، والعملة الموحدة، والتجارة بين الدول، وهي موضوعات مهمة، لكنها تحتاج أولًا إلى إجابة أعمق حول كيفية تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج عملية.
وأشار إلى أن المقارنة بين إفريقيا والهند تكشف حجم الفجوة بين الإمكانات والنتائج، موضحًا أن الهند تضم نحو 1.45 مليار نسمة، بينما تضم إفريقيا نحو 1.55 مليار نسمة، غير أن المقارنة بين الطرفين ليست مباشرة بالكامل، لأن الهند دولة واحدة، في حين أن إفريقيا قارة تضم أكثر من 50 دولة، مع تعدد كبير في العملات واللغات ونظم السفر والإجراءات والتشريعات والهياكل الاقتصادية.
وتابع أن الهند استطاعت خلال السنوات الأخيرة تحقيق تقدم كبير في بناء القدرات الإنتاجية والتصديرية، وأن حجم الدعم أو التمويل وحده لا يفسر الفارق في النتائج بين الهند وإفريقيا، مشددًا على أن المسألة الأهم تتعلق بقدرة الدول على تنظيم الموارد، وتوجيه المواهب، وبناء منظومات تنفيذية قادرة على تحويل الكثافة السكانية إلى قوة اقتصادية حقيقية.
وأكد عبد الوهاب أن إفريقيا تمتلك أعدادًا كبيرة من الشباب والموارد والأسواق، كما تمتلك فرصًا هائلة في التجارة والصناعة والزراعة والصحة والخدمات والتكنولوجيا، إلا أن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت القارة تمتلك الموارد، وإنما ما إذا كانت تمتلك منظومة كافية لتحويل هذه الموارد إلى إنتاج وفرص عمل وصادرات وتنمية مستدامة.
وقال إن المشكلة المركزية ليست نقص الموارد، ولكن في كيفية إدارة هذه الموارد وربطها بالأسواق، وربط السياسات العامة بالتنفيذ، وتحويل القرارات إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس، مضيفًا: «لدينا الموارد، ولدينا المواهب، ولدينا الشباب، ولدينا الأطفال الذين يمثلون مستقبل القارة، ولدينا الأسواق الواسعة، لكن كثيرًا من هذه الطاقات لا يزال غير مستخدم بالشكل الصحيح».
وشدد على أن القارة تمتلك فرصة كبيرة للاستفادة من موقعها الديموغرافي والاقتصادي إذا نجحت في معالجة مشكلات التنسيق، وتباين الإجراءات، وضعف الربط بين الأسواق، وعدم كفاية آليات التنفيذ والمتابعة، وهي عوامل تؤدي إلى إبطاء التجارة والاستثمار وتقليل العائد الاقتصادي من المشروعات القائمة.
بناء مؤسسي وتمويل فعال وتغيير في التفكير
وأكد أحمد فكري عبد الوهاب أن الوثائق والمعالجات التقنية وتقاطعات البيانات ما زالت تمثل تحديًا وضغطًا على مسار التكامل الاقتصادي الإفريقي، مشيرًا إلى أن هذا هو السبب الذي يجعل الحديث اليوم عن الملفات المطروحة في جوهانسبرغ أكثر أهمية مما قد يظهر في البداية.
وقال إن الأمر لا يتعلق فقط بالمشاركة في الفعاليات أو الاجتماعات، ولكنه يرتبط بكيفية مواجهة التحديات التي تعترض الشركات الإفريقية، والشركات المتوسطة، والشركات الأسرية والعائلية، والشبكات، والبائعين، والمصدرين، والمعارض، والممولين، بعد سنوات طويلة جرى خلالها الحديث بشكل واسع عن أهمية إفريقيا ودور المواطنين والأجيال والتوسع ورأس المال.
وأضاف أن هذه الملفات تحتاج إلى ضمان للنقاش، وتمثيل حقيقي على أرض الواقع، لافتًا إلى أن الرؤية لا تزال بحاجة إلى استكمال في مراحل العمل، غير أنه شدد على ضرورة عدم إسقاط المهمة أو تجاهلها، لأنها مرتبطة بما وصفه بـ«تجربة البناء».
وأوضح عبد الوهاب أن حصول التجارب وحده لا يمنح المستخدمين أو الشركات القدرة الكافية، ولا يقدم لصاحب العمل الوقت والموارد والمساحة اللازمة للتحرك، كما أنه لا يوقف من يستغلون المال أو يتحركون داخل الأسواق دون ضوابط كافية، مؤكدًا أن تطبيق التطور يحتاج إلى هوامش واضحة ومساندة.
وأشار إلى أن هذا التطور يحتاج إلى جانب إرادي ونقاش جاد، وإلى مشروعات قابلة للمتابعة والتقييم، كما يحتاج إلى التسريع وآليات مساندة يمكنها تحقيق المستوى والقيمة المطلوبة، بما يساعد على نقل الأفكار من مستوى الطرح إلى مستوى التنفيذ.
ولفت إلى أن الشركات والمستخدمين يحتاجون إلى محطات مساعدة وتجارب أولية وحلول تمكينية، تسمح بإنشاء مساحات عمل وأسواق أكثر كفاءة، كما يحتاجون إلى توزيع أفضل للأدوار بين المستخدمين والمديرين، وإلى مساندة في العمل والتمويل، وإلى أدوات تضمن بناء الثقة وتحسين كفاءة التعامل.
وأكد أن المهمة الأكثر أهمية تتمثل في تغيير التفكير، قائلًا إن التعامل مع إفريقيا لا يجب أن يتم من خلال رؤى جزئية أو ملفات منفصلة، ولا باعتبارها سوقًا واحدة أو مجلدًا واحدًا، وإنما من خلال رؤية أكثر اتساعًا تجمع الأطراف المختلفة، وتربط الدفع والتسويق والتسعير والاتفاقات والتمويل والإدارة والحوكمة داخل منظومة واحدة.
وشدد عبد الوهاب على أن السوق الإفريقية تحتاج إلى مستخدمين أوائل قادرين على اختبار النماذج الجديدة، وفتح مسارات إضافية أمام التجارة والتمويل والتوسع، بما يخلق قاعدة أوسع لتجربة الحلول الرقمية والتجارية داخل القارة.
وأضاف أن المدن والبنية الرقمية يجب أن تتحول إلى منظومة مترابطة، بما يعزز الربط بين الإنترنت والأسواق والمدن والمستخدمين، موضحًا أن ذلك يعكس أهمية المنطقة الإفريقية الموحدة، والآليات المرتبطة بالتنمية الإفريقية، باعتبارها ركيزة أساسية في دفع التكامل والنمو.
وقال عبد الوهاب إنه يتحدث بصفته ممثلًا لإحدى المؤسسات العاملة في مجال التنمية الإفريقية، وأحد العاملين داخل المنطقة الإفريقية للتنمية الإفريقية للأفارقة، مشيرًا إلى أن العمل يجري مع المديرين والشركاء، ومن بينهم مارتينا مينا، والفريق الرئيسي في فيكتوريا، على نهج يستهدف التفاعل المستقل للأسواق التمويلية، من أجل دعم التفاعل المستقل داخل الأسواق الإفريقية.
وأوضح أن هذا التفاعل المستقل تم وضعه وتفعيله في أبريل من هذا العام، مؤكدًا أن المهمة المقبلة تتمثل في تحويل الاكتشاف القانوني إلى تقارير وقرارات وتصميمات قابلة للاستخدام في التحول الاقتصادي داخل المنطقة الإفريقية.
وأشار إلى أن المنطقة الإفريقية الجديدة مهمة لأنها تسمح بالتفكير بشكل كامل في كيفية عمل المنطقة الإفريقية، وكيف يمكن تحويل الإمكانات إلى أدوات تنفيذية قادرة على دعم التجارة والتمويل والاستثمار، وتوسيع مشاركة الشركات والمستخدمين والمديرين داخل القارة.
ممرات صناعية ومالية إفريقية وسلاسل قيمة قارية
وأكد عبد الوهاب أن العلاقة بين مصر وإفريقيا يجب أن تُقرأ في هذه المرحلة باعتبارها شراكة استراتيجية داخل منظومة صناعية وتجارية ومالية أوسع، وليست مجرد مشاركة تقليدية في الأسواق أو الفعاليات، مشددًا على أن الهدف الحقيقي يجب أن يكون بناء ممرات مالية وصناعية إفريقية قادرة على جعل المنطقة الإفريقية أكثر قوة وتنافسية.
وقال إن الحديث عن التكامل الإفريقي يرتبط بصورة مباشرة بقواعد المنشأ، وبكيفية إدارة المدخلات داخل سلاسل الإنتاج، موضحًا أنه في اليوم الأول من تطبيق هذه القواعد، يتم التعامل مع فكرة إعفاء أو السماح بجزء من المدخلات غير المحلية، والسماح بوجود مدخلات من خارج المنطقة، بما يتيح للشركات والمصانع البدء في الإنتاج دون انتظار اكتمال كل عناصر سلسلة القيمة داخل دولة واحدة أو منطقة واحدة.
وأضاف أن إدارة نسبة تصل إلى 60% من المدخلات عند مستوى غير محلي تعني أن المحتوى الإفريقي المطلوب قد يصل إلى 40%، معتبرًا أن هذا الأمر لا يمثل فرقًا فنيًا فقط، بل يعكس فرقًا في المبادئ، لأن هذه المبادئ تقول إن إفريقيا مهمة، لكنها أيضًا واقعية، وتدرك أن بناء منظومة صناعية كاملة يحتاج إلى وقت، وأن الشركات لا يمكن أن تنتظر اكتمال كل المكونات قبل بدء الإنتاج والتصنيع والتدريب.
وأشار إلى أن هذه القواعد توجه رسالة واضحة للمنشآت والشركات، مفادها أنها تستطيع البدء في التصنيع والتدريب من خلال مدخلات قائمة حاليًا، مع التحرك تدريجيًا نحو زيادة الاعتماد على مكونات إفريقية بمرور الوقت، مؤكدًا أن هذا النهج يفتح الباب أمام بناء سلاسل قيمة أكثر مرونة داخل القارة.
وأوضح أن هذه المنظومة تجعل المال الإفريقي والتجارة الإفريقية أكثر قابلية للتوسع، لافتًا إلى أن تسعير المنتجات والسلع داخل المدن الإفريقية يمثل عاملًا بالغ الأهمية في حركة المال والتجارة حول المدن والأسواق.
وقال إن السلعة التي يتم تسعيرها داخل مدينة إفريقية يمكنها التعامل مع مكونات أو خدمات يتم تسعيرها أو إنتاجها في مدينة إفريقية أخرى، وهو ما يخلق شبكة إنتاج وتجارة قارية أكثر اتساعًا.
وأكد أن هذا المفهوم أساسي، لأنه يعني أن القارة لا تحتاج إلى بناء سلسلة إنتاج طويلة ومغلقة داخل مدينة واحدة أو دولة واحدة، بل يمكن بناء سيارة إفريقية أو منتج صناعي إفريقي من خلال سلسلة قيمة إفريقية موزعة بين أكثر من دولة ومدينة ومركز إنتاج، بحيث يشارك كل طرف في جزء من العملية وفقًا لقدراته ومزاياه النسبية.
وأضاف أن هذا هو الطريق الذي يمكن من خلاله للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أن تشارك في سلاسل القيمة، حتى إذا لم تكن تمتلك حصة كبيرة أو قدرة إنتاجية ضخمة بمفردها، مشيرًا إلى أن منشآت تعمل في قطاعات مثل الفاكهة، والأغذية، والقطارات، والأخشاب، والطماطم، والهواتف، والمكونات المتخصصة، والاعتماد، والخدمات والمساعدات البرمجية، يمكن أن تجد مكانًا لها داخل سلسلة القيمة الإفريقية إذا تم تنظيم هذه المنظومة بصورة عملية.
وقال إن المدن الإفريقية، ومن بينها المدن المصرية ومراكز التصنيع في القارة، يمكن أن تتحول إلى نقاط ارتكاز لبناء سوق إفريقية أكبر، قائمة على تعظيم القيمة المضافة الإفريقية داخل القارة، بدلًا من الاكتفاء بدور محدود في التجارة أو التصدير الخام.
وأضاف أنه لأول مرة يمكن الحديث مع القادة وصناع القرار بشكل أكثر معرفة ووضوحًا حول كيفية تحويل قواعد التجارة إلى إنتاج فعلي، مشيرًا إلى أن المنظومة ليست كاملة بعد في كل تخصص أو قطاع حديث، كما أن بعض قواعد الدخول والمخصصات ستحتاج إلى مزيد من العمل والتطوير.
وشدد على أن هناك ملفات عديدة تحتاج إلى تواصل وتنسيق مستمر، من بينها التقنيات، وتقسيم التخصصات، وتصميم المستويات المتحركة، ومواجهة مشكلات التجارة العملية، مؤكدًا أن كل هذه الملفات ستحتاج إلى عمل مشترك، لكن المسار العام بات واضحًا.
وأوضح أن ما يحدث يمثل انتقالًا مهمًا في مسار التحرك الإفريقي، من الاعتماد على مدارس ونماذج أجنبية أساسية، إلى بناء مدارس ونماذج إفريقية أكثر ارتباطًا باحتياجات القارة وقدراتها الإنتاجية، مشيرًا إلى أن هذه النقطة تحديدًا تجعل العلاقة بين مصر وإفريقيا شديدة الأهمية.
وأكد أنه لا يجب النظر إلى مصر وإفريقيا فقط باعتبارهما شريكين في التجارة أو المشاركة السوقية، وإنما يجب النظر إليهما كشريكين في بناء نظام أوتوموتيف وصناعي إفريقي متكامل، لافتًا إلى أن إفريقيا لديها بالفعل عدد من المشاركات في نظام السيارات، غير أن مصر استفادت أيضًا من التجربة الإفريقية في تطوير منظومة الأوتوموتيف وبناء القدرات الصناعية المرتبطة بها.
وقال إن هناك فرصة كبيرة للعمل المشترك بين مصر وإفريقيا في تطوير نظام أوتوموتيف إقليمي، يقوم على توزيع الأدوار الصناعية والتصنيعية بين أكثر من دولة، بما يسمح بتطوير مكونات ومنتجات ومراحل إنتاج داخل القارة بدلًا من الاعتماد الكامل على الخارج.
وأشار إلى أن هناك مجالات واسعة داخل إفريقيا لتطوير نظام صناعي متكامل، سواء من خلال المدن الصناعية أو مراكز التدريب والتصنيع، بما يشمل بناء قدرات للتصميم والتصنيع والتأهيل المهني والاستقبال الصناعي، وهو ما يفتح الباب أمام أهداف مختلفة للتصنيع الكبير داخل المدن الإفريقية والمدن المتخصصة.
وأضاف عبد الوهاب أن هناك محاولات متعددة، قد تصل إلى ثماني محاولات أو نماذج مختلفة، منها ما هو متوسط ومنها ما يبدو صعبًا أو شبه مستحيل، لكنها جميعًا تعكس وجود حركة حقيقية باتجاه تطوير أجندة البيانات والتجارة الإفريقية.
وأوضح أن هناك دقة عامة متزايدة في أجندة البيانات، وأن النقاش يتسع حول التجارة الإفريقية وعلاقتها بالمدن والأسواق الأوروبية، وكذلك ارتفاع أهمية البيانات في دعم التجارة العربية والإفريقية.
وأكد أن هذه الأجندة تشمل التمكين المؤسسي، والتدريبات المتوسطة، والتصميم المنهجي، والإنجازات المنشئية، والتحسين التشغيلي، وتطوير المشروعات القائمة على البيانات، مشيرًا إلى أن كل هذه العناصر يمكن أن تسهم في رفع كفاءة التجارة والتصنيع داخل القارة.
وشدد عبد الوهاب على ضرورة استخدام المزيد من الانضمامات والشراكات لإضافة أطر وابتكارات جديدة، لا سيما في قطاعات الأدوية، والصناعة، والخدمات اللوجستية، موضحًا أن الإمكانية الحقيقية تكمن في الربط بين المواصلات، والمدارس العامة، والإدارة، والمعامل، والمشروعات، والاستدامة، والانضمام الاجتماعي، بما يجعل هذه المكونات جزءًا من منظومة التكامل الاقتصادي الإفريقي.
وقال إن نجاح نموذج تعاون بين مصر ودولة إفريقية يمكن أن يتحول إلى نموذج قابل للتكرار في مناطق أخرى داخل القارة، موضحًا أنه إذا استطاعت مصر وإفريقيا العمل معًا بصورة فعالة، فقد يتحول ذلك إلى نموذج لعلاقات اقتصادية وصناعية متعددة، مثل مصر والمغرب، ومصر وغانا، ومصر وكينيا، ومصر ونيجيريا، ومصر ورواندا، وغيرها من الدول الإفريقية.
المؤسسات التمويلية والقطاع الخاص
وأكد عبد الوهاب أن التكامل الاقتصادي الإفريقي لم يعد خيارًا تنظيميًا أو شعارًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة عملية لبناء سلاسل قيمة قادرة على ربط الشركات الإفريقية بالأسواق العالمية، وتعزيز قدرة القارة على المنافسة في مجالات الصناعة والتجارة والخدمات المالية والتكنولوجيا.
وأوضح أن مؤسسات التمويل والتنمية، وعلى رأسها البنك الإفريقي، والسكرتاريات والمؤسسات الحكومية الإفريقية، إلى جانب الجهات الدولية والإنشائية والتنموية، لا يمكنها وحدها إحداث التحول الهيكلي المطلوب دون وجود تفاعل حقيقي مع القطاع الخاص، ودون تحسين مستمر في بيئة الأعمال، وحركة المبيعات، وآليات التمويل، والبنية المؤسسية الداعمة للتكامل.
وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب بناء منصات مشتركة تجمع بين غرف التجارة الإفريقية، والمؤسسات المالية، والشركات، والجهات الحكومية، بما يتيح تفادي تكرار الجهود، وتحويل هذه المنصات إلى أدوات عملية للتنسيق، وليس مجرد مساحات للتمثيل أو الحضور الشكلي.
وأشار إلى أن إدارة المهارات المؤسسية، والميزانيات، والمشاركة الإفريقية، والحوكمة، يجب أن تتحرك في اتجاه واحد، بما يسمح بتجميع المشروعات والبرامج البنكية والتمويلية داخل إطار أكثر تنظيمًا وقدرة على التنفيذ.
وتابع أن المعارض والملتقيات الدولية، مثل الفعاليات التجارية في فرانكفورت وجوهانسبرغ، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أحداث للشركات، بل يجب التعامل معها كجزء من استراتيجية صناعية وتجارية متكاملة.
وأوضح أن فرانكفورت تمثل بوابة مهمة أمام الشركات المصرية والإفريقية للوصول إلى الأسواق العالمية، وفهم احتياجات السوق الأوروبية، ومتطلبات الجودة، والتدريب، والاعتماد، والوظائف، والحوافز، ونقل التكنولوجيا، ومعايير التصنيع، والامتثال، والاستدامة، والتحول الرقمي.
وأكد أن المشاركة في هذه الفعاليات تساعد الشركات على فهم ما يتوقعه المشترون العالميون، وكيفية تطوير المنتجات والخدمات بما يتوافق مع المعايير الدولية، بما يفتح أمامها فرصًا جديدة للتوسع والتصدير.
أما جوهانسبرغ، فأشار إلى أنها تمثل مساحة مختلفة ومهمة للغاية، لأنها ترتبط بصورة مباشرة بالتعامل المالي الإفريقي، وفهم احتياجات المستخدمين المحليين، وأنماط الاستهلاك، والتطبيقات الخاصة بالمدفوعات، والتحديات التشغيلية، والمفاوضات التجارية، والتعاملات المالية داخل القارة.
وشدد على أن التعامل مع المستخدمين والأسواق الإفريقية لا يجب أن يتم من خارج المنظومة المالية الإفريقية، بل يجب أن يكون حاضرًا داخلها، وقادرًا على فهم تفاصيلها اليومية واحتياجاتها الحقيقية.
وأضاف أن فرانكفورت تساعد الشركات على معرفة اتجاهات الأنظمة العالمية، بينما تساعد جوهانسبرغ على فهم كيف يمكن لإفريقيا أن تشارك بفاعلية في هذه الأنظمة، لا أن تظل مجرد متلقٍ لها.
وأكد أن الشركات التجارية، سواء في مصر أو في بقية الدول الإفريقية، لا ينبغي أن تذهب إلى هذه الفعاليات كمشاهدين أو مشاركين عابرين، بل يجب أن تشارك بأهداف واضحة، وخطط محددة، ورؤية عملية لما تريد تحقيقه من شراكات وأسواق وتمويلات وتكنولوجيا.
المنتجات الصغيرة والمناطق الصناعية والتحول الرقمي
وأوضح عبد الوهاب أن أحد المفاهيم الخاطئة التي يجب تصحيحها هو النظر إلى المنتجات أو الصناعات الصغيرة باعتبارها مختلفة عن منظومة التنمية الاقتصادية الواسعة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من القطاعات المرتبطة بالإنتاج الغذائي، والصناعات الخفيفة، والمنتجات اليومية، يمكن أن تتحول إلى محركات حقيقية للتكامل الصناعي إذا تم تنظيمها داخل سلاسل قيمة واضحة.
وأشار إلى أن المنتجات المحلية لا تصنع فقط قيمة تجارية مباشرة، لكنها قد تخلق طلبًا مستمرًا على الخدمات اللوجستية، والتعبئة، والتغليف، والنقل، والتخزين، والتمويل، والتأمين، والتسويق، بما يحول النشاط الصغير إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
وأضاف أن المنطق نفسه ينطبق على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والمناطق الأقل نموًا، والصناعات التي تستخدم المواد المحلية، والمدن الصناعية الناشئة، سواء في مصر أو في بقية القارة الإفريقية، حيث يمكن أن تتحول هذه المواقع إلى نقاط ربط بين الاحتياجات المحلية والفرص الإقليمية والعالمية.
وأكد أن الشركة التي تبدأ بمحل صغير أو نشاط إنتاجي محدود قد تتحول، مع الوقت، إلى مصدر مستدام للتشغيل والتصدير والخدمات المساندة، إذا توفرت لها البنية المؤسسية والتمويلية والتكنولوجية المناسبة.
وأشار إلى أن المناطق الصناعية يمكن أن تصبح مصادر مستدامة للتنمية والتشغيل، إذا ارتبطت بالتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والتمويل، والتدريب، والتكامل بين الأسواق.
وشدد على أن التطورات التكنولوجية المقبلة ستغير شكل التنفيذ الصناعي والتجاري، بدءًا من أنظمة التشغيل، ومرورًا بالميزات الرقمية المرتبطة بالإنتاج والتوزيع، ووصولًا إلى أدوات التشخيص، وأنظمة التدفئة، والمدارس الفنية، ومنشآت التدريب، والخدمات المرتبطة بالبنية التحتية.
وأكد أن هذه التطورات ستغير طريقة دخول الاتصالات والتكنولوجيا في تشغيل المنشآت، وتكوين مراكز التوزيع، وإدارة المرافق، والتشغيل الفعلي لسلاسل الإمداد، بما يجعل التحول الرقمي جزءًا أصيلًا من التكامل الاقتصادي الإفريقي وليس مجرد أداة مساعدة.
تحويل المشاركة المصرية إلى نتائج ملموسة
وأكد عبد الوهاب أن تحويل المشاركة المصرية في الفعاليات الاقتصادية الإفريقية إلى نتائج ملموسة لا يتحقق بمجرد الحضور، وإنما من خلال التنفيذ والتجارة والتكنولوجيا ونقل التقنية وبناء المهارات، باعتبارها المسارات الأساسية لتحويل الفرص إلى مشروعات وشراكات مستدامة داخل القارة.
وقال إن الشركات والجهات المصرية التي ترغب في الاستفادة من الفرص المتاحة في الأسواق الإفريقية، ومن الفعاليات والمعارض الاقتصادية الكبرى، يجب أن تكون مستعدة بصورة كبيرة قبل المشاركة، موضحًا أن الاستعداد يبدأ بتحديد الهدف بدقة، سواء كان البيع، أو الشراء، أو البحث عن مساحة للتوسع، أو التعرف على مجالات التقنية، أو الدفع بمنتجات وخدمات جديدة، أو فهم الاستخدامات والفرص المرتبطة بمجالات مثل السيارات الكهربائية، أو التعرف على مجالات وسلاسل قيمة مختلفة داخل السوق الإفريقية.
وأضاف أن كل مسار من هذه المسارات يحتاج إلى خطة مختلفة، لأن من يذهب بهدف البيع تختلف احتياجاته عن من يذهب بهدف الشراء، ومن يبحث عن شريك أو مستثمر تختلف أولوياته عن من يسعى إلى فهم التكنولوجيا أو فتح أسواق جديدة.
وأشار إلى أن غياب هذا التحديد المسبق يجعل المشاركة أقل فاعلية، ويضعف قدرة الشركات على تحقيق نتائج واضحة بعد انتهاء الفعالية.
وأوضح أن اختيار الجهات والشركات المصرية المشاركة يجب أن يتم وفق معايير دقيقة، وليس بناءً على الحضور العام أو التمثيل الشكلي فقط، مشيرًا إلى أن المشاركة الناجحة لا تعتمد على الشركات وحدها، بل على وجود المستثمرين، والممولين، والمصنعين، ومقدمي الخدمات، وجهات التدريب، والجهات القادرة على تنفيذ المتابعة وتحويل اللقاءات إلى مشروعات فعلية.
وأكد أن الوفد المشارك يجب أن يضم شركات لديها منتجات قابلة للتسويق أو التصدير، وقدرات تشغيلية واضحة، إلى جانب مؤسسات تمويل، وجهات تقدم خدمات لوجستية، وحلولًا تقنية، وخدمات هندسية، وخبرات في مجالات الصحة، والتعليم، والتصنيع، والتدريب، بما يجعل المشاركة المصرية متكاملة وقادرة على التعامل مع احتياجات السوق الإفريقية من أكثر من زاوية.
وأشار إلى أهمية امتلاك أرقام وبيانات دقيقة قبل التحرك نحو أي سوق إفريقية، موضحًا أن عدم معرفة حجم السوق، وعدد المنافسين، وطبيعة المقابلات التجارية المطلوبة، ومتطلبات الجودة، وتكاليف النقل، وخدمات ما بعد البيع، يجعل التحرك غير مكتمل وقد يؤدي إلى صعوبات في التسليم أو المتابعة أو تحقيق العائد المطلوب.
وشدد على أن التعامل مع إفريقيا لا يجب أن يتم باعتبارها سوقًا واحدة، قائلًا إن إفريقيا ليست كتلة واحدة متشابهة، وإن الأسواق تختلف من دولة إلى أخرى؛ فنيجيريا ليست مثل المغرب، وشرق إفريقيا ليس مثل غربها أو جنوبها، وكل موقع له حقائقه واحتياجاته ومنافذه ومقاومته ومخاطره.
وأضاف أن كل سوق يحتاج إلى قراءة منفصلة، ودراسة لطبيعة المستهلك، والتشريعات، والبنية التحتية، والقدرة الشرائية، والمنافسين، والشركاء المحليين المحتملين.
ولفت إلى أن خطوة المتابعة بعد انتهاء الفعاليات والمعارض تمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح أي مشاركة، موضحًا أن كثيرًا من الفرص تظل مفتوحة بعد الفعالية، لكنها تضيع بسبب عدم وجود متابعة منظمة مع المستثمرين والعملاء والشركاء.
وأكد أن المتابعة يجب أن تشمل توثيق الاجتماعات، وإعادة التواصل، وبناء مسارات تفاوض، وتحويل اللقاءات إلى عقود، أو مذكرات تفاهم، أو مشروعات قابلة للتنفيذ.
وقال إن التفكير في المشاركة الاقتصادية يجب ألا يقتصر على مجموعة واحدة أو قطاع واحد، لأن التجارة المتحركة والشراكات داخل القارة أكثر قوة عندما تتم من خلال منظومة واسعة تضم الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل والخدمات اللوجستية والتكنولوجية والتدريبية.
وأضاف أن المطلوب هو أن توضح مصر أنها لا تذهب إلى إفريقيا فقط لتصدير منتجاتها، بل لتقديم نفسها كشريك محرك ومركز إقليمي قادر على دعم الإنتاج، والتجارة، والتقنية، والمهارات، وسلاسل القيمة.
وأشار إلى أن مصر لديها علاقات مع أطراف متعددة داخل القارة، ولديها أيضًا روابط مع أسواق ومستخدمين وشركاء محتملين، وهو ما يتطلب تنسيقًا أكبر بين الجهات المختلفة، حتى تتحول هذه العلاقات إلى نتائج عملية.
وأوضح أن خدمات الهندسة، ومقدمي الحلول التقنية، والمجتمعات الصناعية والتجارية، ومؤسسات الأعمال، والجهات الحكومية، يجب أن تعمل معًا من أجل تحويل المشاركة إلى نتائج قابلة للقياس.
وأكد أن هذا يتطلب إدخال شركات مهيأة وجاهزة، وتوفير معلومات سوقية دقيقة، وتنظيم لقاءات أعمال ثنائية بين الشركات، وبناء برامج تدريب، وشرح المجالات المتعلقة بكل سوق وقطاع، بما يساعد الشركات المصرية على فهم ما تحتاجه الأسواق الإفريقية فعليًا، وليس فقط ما يمكن عرضه عليها من منتجات أو خدمات.
وشدد على ضرورة أن تكون الرؤية واقعية، موضحًا أن بناء المهارات لا يتم بصورة تلقائية أو بمجرد الإعلان عن المبادرات، وإنما يحتاج إلى تعاون بين الحكومات، ومؤسسات التمويل، والقطاع الخاص، ومراكز التدريب، والجامعات، والجهات الصناعية.
وأضاف أن تنمية المهارات تصبح أكثر تأثيرًا عندما ترتبط بالمشروعات الفعلية، ومحطات الإنتاج، وسلاسل التوريد، والتوسع داخل الأسواق، وليس عندما تظل منفصلة عن احتياجات السوق.
واختتم الدكتور أحمد فكري عبد الوهاب تصريحاته بالتأكيد على أن الطريق نحو تكامل اقتصادي إفريقي حقيقي يحتاج إلى استعداد واضح، ووفود مختارة بعناية، وبيانات دقيقة، وفهم لاختلاف الأسواق، ومتابعة مستمرة، وشراكات عملية، حتى تصبح المشاركة المصرية في الفعاليات الإفريقية منصة للتوسع والاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا وبناء المهارات، وليس مجرد حضور في مؤتمر أو معرض.
وأكد أن الهدف لا يجب أن يكون صناعة ممرات إفريقية شكلية، وإنما بناء ممرات مالية وصناعية وتجارية إفريقية حقيقية، تجعل المنطقة الإفريقية أفضل، وتدعم بناء سلاسل قيمة قارية، وتمنح الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة فرصة للمشاركة في الإنتاج والتصنيع والتصدير، بما يعزز موقع إفريقيا في الاقتصاد العالمي.
- اقرا ايضا:
- «الاتحاد الإفريقي لكرة القدم» وشركة «كيونت» يجددان شراكتهما لموسم 2025/2026 من مسابقات الأندية
- «الجزائر» تطلق برنامج احتضان وتسريع مشاريع التكنولوجيا الزراعية بدعم من «الاتحاد الأوروبي»
- «محافظ البنك المركزي المصري» يعلن مد برنامج أوروبي لدعم البنوك المركزية الإفريقية حتى ديسمبر 2027




