فينتك جيت: ريهام علي
أكدت بيانات حديثة صادرة عن Ookla Speedtest أن خدمة الإنترنت الفضائي Starlink التابعة لشركة SpaceX واصلت تعزيز حضورها في سوق الاتصالات الأمريكي خلال النصف الثاني من عام 2025، بعدما سجلت تحسنًا واسعًا في سرعات التحميل والرفع، إلى جانب انخفاض زمن الاستجابة في معظم الولايات، بما ينقل الخدمة تدريجيًا من كونها حلًا احتياطيًا للمناطق غير المخدومة إلى منافس فعلي في سوق النطاق العريض.
ويعكس الأداء الجديد تحولًا مهمًا في موقع الإنترنت الفضائي منخفض المدار داخل المشهد التنافسي للاتصالات، إذ لم تعد Starlink محصورة في دورها التقليدي كخيار أخير للمناطق الريفية أو النائية، بل باتت قادرة على تقديم مستويات أداء تقترب في عدد متزايد من الولايات من معايير خدمات النطاق العريض المعتمدة في الولايات المتحدة، وهو ما يفرض ضغوطًا متزايدة على مزودي الإنترنت الفضائي التقليديين المعتمدين على الأقمار الثابتة جغرافيًا مثل Hughesnet وViasat.
ووفقًا لتقرير Ookla Research الصادر في 5 مايو 2026، تمكن مستخدمو Starlink عبر اختبارات Speedtest في جميع الولايات الأمريكية تقريبًا، باستثناء ألاسكا، من تسجيل متوسط سرعات تحميل بلغ 100 ميجابت في الثانية أو أكثر خلال النصف الثاني من عام 2025، مقارنة بـ23 ولاية فقط حققت هذا المستوى في الفترة نفسها من عام 2024. ويشير هذا التحسن إلى توسع ملحوظ في قدرة الشبكة على تقديم أداء مرتفع على نطاق جغرافي أوسع، بما يعزز قابليتها للمنافسة في أسواق لم تكن تعتمد تاريخيًا على الإنترنت الفضائي كبديل رئيسي.
كما أظهرت البيانات تحسنًا لافتًا في سرعات الرفع، إذ سجل مستخدمو Starlink في 22 ولاية متوسط سرعات رفع بلغ 20 ميجابت في الثانية أو أكثر خلال النصف الثاني من 2025، مقابل عدم تسجيل أي ولاية لهذا المستوى خلال النصف الثاني من 2024. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية FCC تعتمد سرعة رفع قدرها 20 ميجابت في الثانية، إلى جانب 100 ميجابت في الثانية للتحميل، كحد أدنى لتعريف خدمة النطاق العريض.
وكشف التقرير أن 44.7% من مستخدمي Starlink عبر Speedtest في الربع الرابع من 2025 تمكنوا من بلوغ معيار النطاق العريض الأمريكي البالغ 100 ميجابت في الثانية للتحميل و20 ميجابت في الثانية للرفع، مقارنة بـ17.4% فقط في الربع الأول من العام نفسه. ويعكس ذلك تسارعًا واضحًا في جودة الخدمة خلال عام واحد، ويمنح Starlink مساحة أكبر للتحرك من موقع الخدمة المتخصصة إلى موقع المنافس واسع النطاق.
وفي جانب زمن الاستجابة، حققت Starlink تقدمًا ملحوظًا، حيث تحسن متوسط زمن الاستجابة متعدد الخوادم في جميع الولايات تقريبًا باستثناء هاواي ونيو مكسيكو وأوريغون. وأظهرت بيانات النصف الثاني من 2025 أن 10 ولايات سجلت متوسط زمن استجابة أقل من 40 مللي ثانية، مقارنة بولاية واحدة فقط في النصف الثاني من 2024، وهي نيوجيرسي. وجاءت نيوجيرسي وكولورادو وأريزونا وواشنطن العاصمة ضمن الأفضل أداءً، بمتوسط زمن استجابة بلغ نحو 37 مللي ثانية.
وتُعد مؤشرات زمن الاستجابة من العوامل الحاسمة في تقييم جودة خدمات الإنترنت، خصوصًا في الاستخدامات التي تتطلب تفاعلًا لحظيًا مثل مؤتمرات الفيديو، الألعاب الإلكترونية، الخدمات السحابية، تطبيقات الأعمال، والاتصالات المؤسسية. ولذلك فإن تراجع زمن الاستجابة لدى Starlink يضعها في موقع أقوى أمام الخدمات الفضائية التقليدية، التي ظلت تعاني تاريخيًا من ارتفاع كبير في زمن الاستجابة بسبب اعتمادها على أقمار ثابتة بعيدة عن سطح الأرض.
وبحسب التقرير، جاءت ولاية نبراسكا في صدارة الولايات الأمريكية من حيث متوسط سرعات التحميل عبر Starlink خلال النصف الثاني من 2025، بعدما سجلت نحو 200.8 ميجابت في الثانية، مقارنة بـ129.4 ميجابت في الثانية في النصف الثاني من 2024. كما حققت ولايات مثل نيوجيرسي وداكوتا الشمالية وداكوتا الجنوبية ووايومنغ ويوتا مكاسب كبيرة في سرعات التحميل على أساس سنوي.
ويربط التقرير هذا الأداء القوي في عدد من ولايات الغرب الأوسط بانخفاض الكثافة السكانية وطبيعة التضاريس المسطحة نسبيًا، وهي عوامل تساعد على الحفاظ على خط رؤية واضح ومستقر بين المستخدمين والأقمار الصناعية، بما ينعكس إيجابًا على جودة الاتصال وسرعته.
وفي المقابل، سجلت بعض الولايات التي كانت تتمتع بالفعل بسرعات مرتفعة في 2024 زيادات أقل نسبيًا خلال 2025، مثل كونيتيكت وهاواي ورود آيلاند. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن مستويات الأداء في هذه الولايات كانت أعلى من المتوسط في العام السابق، ما جعل هامش التحسن أقل مقارنة بولايات أخرى بدأت من قاعدة أداء أضعف.
وبرزت نيوجيرسي كحالة لافتة في التقرير، إذ لم تقتصر القفزة على متوسط سرعات التحميل، بل امتدت إلى أداء الربع الأدنى من المستخدمين، حيث ارتفعت سرعات الشريحة الأقل أداءً من 11.68 ميجابت في الثانية في النصف الثاني من 2024 إلى 77.64 ميجابت في الثانية في النصف الثاني من 2025. ويكتسب هذا التحسن أهمية خاصة لأن نيوجيرسي تُعد من أكثر الولايات الأمريكية كثافة سكانية، ما يشير إلى أن Starlink بدأت تحقق مكاسب أداء حتى في الأسواق ذات الكثافة العالية، وليس فقط في المناطق الريفية أو منخفضة الكثافة.
وتشير Ookla إلى أن جانبًا كبيرًا من هذا التحسن يعود إلى تسارع SpaceX في إطلاق الأقمار الصناعية، إلى جانب إدخال أقمار الجيل الثالث V3 الأكثر قدرة. وتمتلك Starlink، وفقًا للتقرير، أكثر من 10 آلاف قمر صناعي في المدار بحلول فبراير 2026، وهو ما يعزز سعة الشبكة وقدرتها على خدمة عدد أكبر من المستخدمين بسرعات أعلى وفي مناطق أوسع.
كما توفر أقمار الجيل الثالث طاقة تحميل أعلى بنحو 10 مرات مقارنة بالأجيال السابقة، في حين ساهم تحسين روابط الاتصال بين الأقمار الصناعية في السماح بمرور البيانات لمسافات أطول قبل الاعتماد على المحطات الأرضية، بما يقلل الاختناقات ويرفع كفاءة الشبكة ويخفض زمن الاستجابة.
ويأتي هذا التطور في وقت توسعت فيه قاعدة مشتركي Starlink عالميًا بوتيرة سريعة. فبعدما بلغ عدد المشتركين العالميين نحو 4.6 مليون مشترك في نهاية 2024، تضاعف العدد خلال 2025، لتعلن Starlink في فبراير 2026 وصول قاعدة مشتركيها النشطين عالميًا إلى أكثر من 10 ملايين مشترك. ويعكس هذا النمو قدرة الشركة على تحسين الأداء رغم الزيادة الكبيرة في الطلب، وهي معادلة يصعب تحقيقها عادة في شبكات الاتصالات التي تواجه ضغطًا متزايدًا على السعة.
ويُظهر التقرير اتساع الفجوة بين Starlink ومزودي الإنترنت الفضائي التقليديين في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم Hughesnet وViasat. فعلى المستوى الوطني، سجل مستخدمو Starlink في الربع الأول من 2026 متوسط سرعة تحميل بلغ 127.39 ميجابت في الثانية، مقارنة بـ48.55 ميجابت في الثانية لدى Hughesnet، و41.05 ميجابت في الثانية لدى Viasat.
وتبدو الفجوة أكثر وضوحًا في سرعات الرفع، حيث بلغ متوسط سرعة الرفع لدى Starlink نحو 21.46 ميجابت في الثانية في الربع الأول من 2026، مقابل 4.10 ميجابت في الثانية لدى Hughesnet، و0.95 ميجابت في الثانية فقط لدى Viasat. كما سجلت Starlink متوسط زمن استجابة بلغ 39 مللي ثانية، مقارنة بـ674 مللي ثانية لدى Hughesnet و750 مللي ثانية لدى Viasat، وهي فجوة ضخمة تعكس الفارق الجوهري بين نموذج الأقمار منخفضة المدار ونموذج الأقمار الثابتة جغرافيًا.
وتستند ميزة Starlink التقنية إلى تشغيل كوكبة أقمار صناعية في مدار منخفض حول الأرض، ما يقلل المسافة التي تقطعها البيانات مقارنة بالأقمار الثابتة جغرافيًا التي تدور على ارتفاعات أكبر بكثير. هذا الفارق في البنية المعمارية ينعكس مباشرة على زمن الاستجابة، ويجعل خدمات الأقمار منخفضة المدار أكثر ملاءمة لتطبيقات الاستخدام اليومي الكثيف والخدمات الرقمية التفاعلية.
وأمام هذا التفوق المتزايد، تتحرك شركتا Hughesnet وViasat دفاعيًا عبر خفض الأسعار وطرح خطط أقل تكلفة لمحاولة الحد من تراجع قاعدة العملاء. ووفقًا للتقرير، انخفض عدد مشتركي Hughesnet عالميًا من 1.22 مليون مشترك في 2022 إلى نحو 739 ألف مشترك في الربع الرابع من 2025، بينما تراجع عدد مشتركي Viasat من 590 ألف مشترك في الربع الرابع من العام المالي 2021 إلى ما يقدر بنحو 159 ألف مشترك في الربع الرابع من 2025.
وقدمت Viasat خطة ترويجية تبدأ من 39.99 دولار شهريًا لمدة ثلاثة أشهر، قبل أن ترتفع إلى 69.99 دولار شهريًا بعد انتهاء الفترة الترويجية، مع عقد لمدة 24 شهرًا، وسرعات تحميل نموذجية تصل إلى 67 ميجابت في الثانية وسرعات رفع بنحو 4 ميجابت في الثانية، مع إمكانية تخفيض السرعات بعد استهلاك 35 جيجابايت من البيانات. كما طرحت Hughesnet خطة منخفضة التكلفة بسعر 39.99 دولار شهريًا، بعقد لمدة 12 شهرًا، وسرعات تصل إلى 25 ميجابت في الثانية، مع 100 جيجابايت من البيانات ذات الأولوية قبل احتمال خفض السرعات.
ورغم هذه التحركات السعرية، يرى التقرير أن المنافسة مع Starlink لا تتعلق بالسعر فقط، بل بجودة الخدمة نفسها، خصوصًا مع اتساع فجوة السرعات وزمن الاستجابة. فحتى مع تقديم خطط منخفضة التكلفة، تظل قدرة مزودي الأقمار الثابتة على مجاراة أداء Starlink محدودة بحكم طبيعة البنية التكنولوجية المستخدمة.
وتعمل Viasat في المقابل على تعزيز قدراتها عبر تحديث أقمارها الصناعية، إذ أطلقت القمر Viasat-3 F1 في مايو 2023 لتوسيع التغطية في أمريكا الشمالية، وأصبح القمر تشغيليًا منذ 2024. كما أطلقت Viasat-3 F2 في نوفمبر 2025، وهو في مرحلة الاختبارات تمهيدًا لدخوله الخدمة التجارية فوق الأمريكتين في مايو 2026، بينما أُطلق القمر الثالث Viasat-3 F3 في 29 أبريل 2026.
غير أن هذه التحركات تأتي في وقت يبدو فيه أن Hughesnet وViasat تتجهان تدريجيًا إلى إعادة تموضع استراتيجي بعيدًا عن الاعتماد الكبير على خدمات الإنترنت السكنية، باتجاه قطاعات الجملة والمؤسسات، في ظل صعوبة الاحتفاظ بالعملاء الأفراد أمام التحسن السريع في أداء Starlink.
كما يعزز دخول Starlink في شراكات مع شركات اتصالات تقليدية من قدرتها على التوسع خارج نموذج الخدمة الفردية المباشرة للمستهلك. ويشير التقرير إلى شراكة T-Mobile مع Starlink لإطلاق خدمة SuperBroadband، التي تجمع بين شبكة الجيل الخامس للنفاذ اللاسلكي الثابت التابعة لـT-Mobile واتصال Starlink الفضائي، في خدمة موجهة لقطاع الأعمال. وتؤكد هذه الخطوة أن الإنترنت الفضائي منخفض المدار أصبح جزءًا من منظومة الاتصالات التجارية، وليس مجرد بديل طارئ في المناطق المعزولة.
ومن منظور اقتصادي أوسع، يعكس صعود Starlink تغيرًا في معادلات الاستثمار داخل قطاع الاتصالات، إذ يدفع المنافسين إلى خفض الأسعار، وتسريع تحديث البنية التحتية، وإعادة تقييم نماذج الأعمال القائمة على الأقمار الثابتة. كما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المنافسة بين شبكات الأقمار منخفضة المدار، خصوصًا مع استعداد لاعبين آخرين مثل Amazon LEO لدخول السوق.
وتواجه Amazon ضغوطًا تنظيمية مرتبطة بمتطلبات لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية، التي تلزمها بامتلاك 1,618 قمرًا صناعيًا في المدار بحلول 30 يوليو 2026. ووفقًا للتقرير، كانت الشركة قد أطلقت ما بين 210 و241 قمرًا صناعيًا حتى أوائل أبريل 2026، كما تقدمت بطلب للحصول على تمديد لمدة عامين لاستكمال إطلاق العدد المطلوب، بسبب نقص مركبات الإطلاق المتاحة.
ويشير ذلك إلى أن Starlink لا تزال تمتلك أفضلية زمنية وتشغيلية واضحة في سوق الأقمار منخفضة المدار، بفضل حجم كوكبتها الكبير، وسرعة وتيرة الإطلاق، وتراكم قاعدة المستخدمين، وتحسن الأداء الفعلي في اختبارات السرعة. لكن دخول منافسين جدد قد يدفع السوق خلال السنوات المقبلة إلى مزيد من الابتكار وخفض الأسعار وتحسين جودة الخدمة.
وفي المحصلة، يقدم تقرير Ookla صورة واضحة لتحول Starlink إلى لاعب رئيسي في سوق النطاق العريض الأمريكي، بعدما نجحت في رفع السرعات وخفض زمن الاستجابة وتوسيع نطاق الأداء عالي الجودة في معظم الولايات. كما يكشف التقرير أن مزودي الإنترنت الفضائي التقليديين باتوا أمام مفترق طرق حاسم، بين الاستمرار في المنافسة السعرية المحدودة أو إعادة هيكلة نماذج أعمالهم لمواجهة واقع جديد تقوده شبكات الأقمار الصناعية منخفضة المدار.
وبينما لا تزال الخدمة الفضائية تواجه تحديات مرتبطة بالسعة والتكلفة والتنظيم وتوافر الأجهزة، فإن أرقام 2025 و2026 تؤكد أن Starlink انتقلت إلى مرحلة أكثر نضجًا، وأن تأثيرها لم يعد محصورًا في المناطق غير المخدومة، بل بدأ يمتد إلى قلب سوق الاتصالات والنطاق العريض في الولايات المتحدة، بما قد يعيد رسم ملامح المنافسة في قطاع الإنترنت الفضائي عالميًا خلال السنوات المقبلة.
في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع والتي يمكنك متابعتها. على سبيل المثال:
- «طيران الإمارات» تُنجز أول عملية تركيب لنظام «ستارلينك» على متن طائراتها «إيرباص A380»
- «ستارلينك» تتجاوز 10 ملايين مستخدم عالميًا بنمو يفوق 100%.. وزخم متصاعد يدعم طرح «سبيس إكس» المرتقب
- «ستارلينك» تحصل على ترخيص لتقديم خدمات الإنترنت الفضائي في الكويت




